أحمد بن الحسين البيهقي
52
كتاب القضاء والقدر
ولذا استحسن علماء الإسلام آنذاك ما فعله الخليفة ، وكان منهم رجاء بن حياة ( ت 112 ه ) - أحد أعلام التابعين - الذي كتب للخليفة فقال : « بلغني أنّه دخلك من قتل غيلان وصالح ، فأقر باللّه لقتلهما أفضل من قتل ألفين من الترك والديلم » « 1 » . ولكنّ المقالة لم تمت بموت معبد وغيلان إذ كانت قد فشت في أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق وأبناء السبايا . وكان من أبناء السبايا وأصل بن عطاء المخزوميّ مولاهم « 2 » ( ت 129 ه ) وقرينه في الضلالة عمرو بن عبيد بن باب ( ت 241 ه ) « 3 » اللذان طردهما التابعيّ الجليل الحسن بن أبي الحسن البصري من مجلسه بعد أن أحدثا بدعة أخرى لم يقل بها أحد ممن ينسب إلى الإسلام قبلهما ، وهي بدعة « المنزلة بين المنزلتين » وكانا قد أخذا بدعة « جهم بن صفوان » « 4 » في نفي الصفات ، وبدعة الخوارج في الطعن على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فضما هذه البدعة « نفي القدر » إلى أصولهم العقدية ؛ فتم لهم بذلك خمسة أصول عقدية ، هي ما أجمع عليه المعتزلة بعدهما . ولكنّ المعتزلة هذبت هذه المقالة حتى تقبل وتلقى رواجا - فأقرت بعلم اللّه السابق للأشياء ، ثم أنكرت أن اللّه خالق أفعال العباد ، وزعمت أن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم ، فأثبتوا خالقين ، كقول المجوس فكانوا كما قيل : مجوس هذه الأمة كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ « 5 » إذ قال المجوس بأصلين هما : النور والظلمة ، وزعموا أن الخير من فعل النور ، والشر من فعل
--> ( 1 ) « شرح أصول اعتقاد أهل السنّة » ( 3 / 717 ) . ( 2 ) انظر في ترجمته : « ميزان الاعتدال » ( 4 / 329 ) . ( 3 ) انظر في ترجمته : « أخبار عمرو بن عبيد » للدار قطني و « تاريخ بغداد » ( 11 / 166 ) . ( 4 ) أسّ كل البليات ، ورأس كل الضلالات ، وسنأتي على ذكره . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية رقم ( 118 ) .