أحمد بن الحسين البيهقي
50
كتاب القضاء والقدر
ولم يطل الأمر بمعبد حتى أخذه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بن الحكم ( ت 86 ه ) فصلبه في هذه المقالة ، ثم قتله ، وكان ذلك بدمشق عام ثمانين من الهجرة ، وقيل : إنّما عذبه عذابا عظيما إثر خروجه مع ابن الأشعث . وأيّا ما كان فإنّ المقالة لم تمت بموته ، إذ أخذها عنه غيلان بن مسلم « 1 » ، وكان قبل ذلك ممن عرف بالمجون ، ثم إنّه صار من أصحاب الحارث الكذاب المتنبي وخدم امرأته وزعم أنّها أم المؤمنين ، ثم تحول داعية إلى هذه المقالة ! ! وبلغ الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز أنّ غيلان يقول في القدر ؛ فبعث إليه فحجبه أياما ثم أدخله عليه فقال : يا غيلان ! ما هذا الذي بلغني عنك ؟ ! . فسكت ، فقال : هات فإنّك آمن فإن يك الذي تدعو الناس إليه حقا فأحق من دعا إليه الناس نحن . فتكلم فقال : إنّ اللّه لا يوصف إلّا بالعدل ولم يكلف نفسا إلّا ما آتاها ولم يكلف المسافر صلاة المقيم ، ولم يكلف اللّه المريض عمل الصحيح ، ولم يكلف الفقير مثل صدقة الغني ، ولم يكلف اللّه الناس إلّا ما جعل إليه السبيل وأعطاهم المشيئة فقال : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 2 » وقال : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ « 3 » فلمّا فرغ من كلام كثير قال له عمر : يا غيلان ! إنك إن أقررت بالعلم خصمت وإن جحدته كفرت ، وإنّك إن تقرّ به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر ، ثم قال له : أتقرأ ياسين ؟ فقال : نعم ، قال : اقرأ . قال : فقرأ : يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى قوله : لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ « 4 » قال : قف . كيف ترى ؟ قال : كأنّى لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين قال : زد ، فقرأ : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
--> ( 1 ) انظر في ترجمته : « الضعفاء » للعقيلي ( 3 / 438 ) ، و « المجروحين » لابن حبان ( 2 / 200 ) ، و « ميزان الاعتدال » ( 3 / 338 ) ، و « لسان الميزان » ( 4 / 424 ) ، وقد استوعب أخباره ابن عساكر في « تاريخ دمشق » ( 14 / 181 - 193 ) . ( 2 ) سورة الكهف ، الآية رقم ( 29 ) . ( 3 ) سورة فصلت ، الآية رقم ( 40 ) . ( 4 ) سورة يس ، الآية رقم ( 7 ) .