أحمد بن الحسين البيهقي

34

كتاب القضاء والقدر

ثم إن الأشاعرة لمّا خشوا المعارضة على جوهر عقيدتهم « الجبر » التي حقيقتها أن العباد مجبورون على أفعالهم ولا قدرة لهم عليها ، وهي من فعل اللّه وحده ، وذلك بأن يقال لهم : إجبار العباد على أعمالهم ، وكونهم يفعلونها بلا إرادة منهم ، ثم يعاقبون عليها ظلم ، واللّه منزه عن الظلم ولا شك ، وقد جاء عن نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : « يا عبادي ، إنّي حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا . . . » الحديث « 1 » . ولمّا كانت تلك المعارضة متجهة ، فقد سعوا إلى تحريف آخر ، إذ زعموا أن معنى الظلم الذي تنزه اللّه عنه إنّما هو : التصرف في ملك الغير ، أو هو : مخالفة الأمر الذي تجب طاعته ، وهما ممتنعان في حق اللّه ، فلا يكون ظلما . ثم أدخلوا القول بنفي التعليل والحكمة عن أفعال اللّه تعالى وزعموا أنه يفعل بمحض المشيئة . وهو الأمر الذي وقع فيه - أيضا - البيهقيّ في قوله : « وليس لقائل أن يقول إذا خلق كسبه ويسره لعمل أهل النّار ثم عاقبه عليه كان ذلك منه ظلما ، كما ليس له أن يقول إذا مكنه منه وعلم أنه لا يتأتى منه غيره عاقبه ، كان ذلك منه ظلما ؛ لأن الظلم في كلام العرب مجاوزة للحد ، والذي هو خالقنا وخالق أكسابنا ، لا آمر فوقه ، ولا حادّ دونه وكل من سواه خلقه وملكه ، فهو يفعل في ملكه ما يشاء » « 2 » لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ « 3 » . ثم وفي موضع آخر يقول شارحا لقوله تعالى : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ : « فبيّن لذلك أنّه لا يجري عليه حكم غيره ، ويجري حكمه على غيره ، فغيره من المكلفين تحت حدّه ، فمن جاوز حده كان ظالما ، وليس هو تحت حدّ غيره حتى يكون لمجاوزته ظالما » « 4 » .

--> ( 1 ) أخرجه الإمام مسلم ( 2577 ) . ( 2 ) « الاعتقاد » ( ص 63 ) للمصنّف . ( 3 ) « الاعتقاد » ( ص 63 ) للمصنّف . ( 4 ) ( ص 255 ) من هذا الكتاب .