أحمد بن الحسين البيهقي
35
كتاب القضاء والقدر
ثم ينقل - وبعد كلامه الآنف الذكر بأثر واحد قول أبي بكر بن إسحاق : « الظلم عند العرب هو فعل ما ليس للفاعل فعله ، وليس من شيء فعله اللّه إلّا وله فعله . . » « 1 » . والمعنيان اللذان يذكرهما الأشاعرة في معنى الظلم الذي نزّه اللّه عنه نفسه ، وإن كانا صحيحين في حق اللّه - عز وجل - لكنهما ليسا المعنى الصحيح للظلم الذي نزه اللّه عنه نفسه ، بل هو خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة في معنى الظلم . إذ إن الظلم عند أهل السنّة هو : « وضع الشيء في غير موضعه » وهو معناه - أيضا - في اللغة : يقال : « من أشبه أباه فما ظلم » وفي المثل : « من استرعى الذئب فقد ظلم » « 2 » ويقال : ظلم الرجل سقاءه ، إذا سقى منه قبل أن يخرج زبده ، والظليمة والظليم : اللبن يشرب منه قبل أن يروب ويخرج زبده ، قال الشاعر : وصاحب صدق لم تربني شكاته * ظلمت ، وفي ظلمي له عامدا أجر « 3 » قال في « اللسان » في شرح البيت : « هذا سقاء سقي منه قبل أن يخرج زبده ، وظلم وطبه ظلما إذ سقى منه قبل أن يروب ويخرج زبده » « 4 » . وتقول العرب : هو أظلم من حيّة ؛ لأنّها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه » « 5 » . وعلى هذا المعنى بنى أهل السنة معنى الظلم الذي تنزه اللّه - عز وجل - عنه ، وهو ما فسّر به سلف الأمة وأئمتها « 6 » .
--> ( 1 ) ( ص 256 ) من هذا الكتاب . ( 2 ) « لسان العرب » ( 12 / 373 ) . ( 3 ) « لسان العرب » ( 12 / 375 ) . ( 4 ) المصدر السابق . ( 5 ) المصدر السابق . ( 6 ) انظر في المسألة : « شرح حديث أبي ذر » من مجموع الفتاوى ( 18 / 151 ) ، و « منهاج السنّة » ( 1 / 90 ) ، ( 2 / 236 ) ، و « مفتاح دار السعادة » ( 2 / 106 - 109 ) ، و « شرح -