أحمد بن الحسين البيهقي
33
كتاب القضاء والقدر
وأمّا قولهم الإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع ، بل هو - أيضا - قدح في العقل ، فإن أفعال العباد من أقوى الأسباب لما نيط بها ، فمن جعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أو جعل المتقين كالفجار ، فهو من أعظم الناس جهلا وأشدهم كفرا ، بل ما أمر اللّه به من العبادات والدعوات والعلوم والأعمال من أعظم الأسباب فيما نيط بها من العبادات ، وكذلك ما نهى عنه من الكفر والفسوق والعصيان هي من أعظم الأسباب لما علّق بها من الشقاوات » « 1 » . ويقول - رحمه اللّه - في موضع آخر : « ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب ، فإن المطر إذا نزل وبذر الحبّ لم يكن ذلك [ كافيا ] في حصول النبات بل لا بد من ريح مربية بإذن اللّه ، ولا بد من صرف الانتفاء عنه ، فلا بد من تمام الشروط ، وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء اللّه وقدره ، وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج ، بل كم من أنزل ولم يولد له ؛ بل لا بد من أن اللّه شاء خلقه فتحبل المرأة وتربّيه في الرحم ، وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع . وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة ، بل هو سبب ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ! قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » وقد قال : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فهذه باء السبب ، أي بسبب أعمالكم ، والذي نفاه النبي صلى اللّه عليه وسلم باء المقابلة كما يقال : اشتريت هذا بهذا ، أي : ليس العمل عوضا وثمنا كافيا في دخول الجنة ، بل لا بد من عفو اللّه وفضله ورحمته ، فبعفوه يمحو السيئات ، وبرحمته يأتي بالخيرات ، وبفضله يضاعف البركات » « 2 » .
--> ( 1 ) « مجموع الفتاوى » ( 8 / 169 - 176 ) . ( 2 ) « مجموع الفتاوى » : ( 8 / 70 ، 71 ) وانظر في المسألة الثانية ما كتبه العلامة ابن قيم الجوزيّة في كتابه : « شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل » .