الغزالي

193

فضائح الباطنية

وقد حكى أن هارون الرشيد قصد الفضيل بن عياض « 1 » ليلا مع العباس في داره ، فلما وصل إلى بابه سمع قراءته وهو يقرأ : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [ الجاثية : 21 ] فقال هارون للعباس : « إن انتفعنا بشيء فبهذا » . فدق العباس الباب وقال : أجب أمير المؤمنين ، قال : وما يعمل عندي أمير المؤمنين ؟ فقال : أجب إمامك . ففتح الباب وأطفأ سراجه وجلس في وسط البيت في الظلمة ، فجعل هارون يطوف حتى وقعت عليه يده فقال : آه من يد ما ألينها إن نجت من عذاب الله يوم القيامة ! فجلس وقال : « يا أمير المؤمنين ! استعد لجواب الله تعالى يوم القيامة فإنك تحتاج أن تتقدم مع كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة » . فجعل هارون يبكى . فقال العباس : اسكت فقد قتلت أمير المؤمنين . فقال : يا هامان « 2 » تقتله أنت وأصحابك وتقول لي أنت قتلته ؟ ! فقال هارون : ما سماك هامان إلّا وجعلني فرعون ، فقال له هارون : هذا مهر والدتي ألف دينار تقبلها منى . فقال : يا أمير المؤمنين ! لا جزاك الله إلا جزاءك ، أقول لك ردها على من أخذتها منه ، وتقول لي : خذها أنت ؟ ! فقام وخرج . وقد حكى عن محمد بن كعب القرظي « 3 » أنه قال له عمر بن عبد العزيز : صف لي العدل ! فقال : يا أمير المؤمنين ! كن لصغير المسلمين أبا ، وللكبير منهم ابنا ، وللمثل أخا ؛ وعاقب كل واحد منهم بقدر ذنبه على قدر جسمه ؛ وإياك أن تضرب بغضبك سوطا واحدا فتدخل النار . وقد حكى عن الحسن « 4 » أنه كتب إلى عمر بن

--> ( 1 ) أبو علي الفضيل بن عياض التميمي المروزي ، زاهد وأحد العلماء الأعلام ، حدث عنه الشافعي ويحيى القطان وغيرهما ، ولد بسمرقند وقدم الكوفة شابا ثم جاور بمكة إلى أن مات سنة 187 ه . ( 2 ) هامان : كبير وزراء فرعون . ( 3 ) محمد بن كعب القرظي ، الكوفي المولد والمنشأ ، عاش في مكة ؛ وروى عن كبار الصحابة ؛ ويقال إنه ولد في حياة النبي ؛ وقال عنه الذهبي إنه كان كبير القدر ، ثقة ، موصوفا بالعلم والصلاح والورع . توفى في سنة 108 ه ، وقيل في سنة 117 ه . ( 4 ) المقصود هو الحسن البصري ، إمام أهل البصرة ولد سنة 21 ه ، وتوفى سنة 110 ه .