الغزالي
194
فضائح الباطنية
عبد العزيز : أما بعد ! فإن الهول الأعظم ومقطعات الأمور كلهن أمامك ، لم تقطع منهن شيئا ، فلذلك فاعدد ومن شرّها فاهرب . والسلام عليك ! » . وقد حكى أن بعض الزهاد دخل على بعض الخلفاء فقال له : عظني ! فقال له : « يا أمير المؤمنين ! كنت أسافر الصين فقدمتها مدة وقد أصيب ملكها بسمعه ، فبكى بكاء شديدا وقال : أما إني لست أبكى على البلية النازلة ولكني أبكى لمظلوم على الباب يصرخ فلا يؤذن له ولا أسمع صوته ؛ ولكني إن ذهب سمعي فإن بصرى لم يذهب ، نادوا في الناس : لا يلبس أحد ثوبا أحمر إلّا متظلم ، ثم كان يركب الفيل في نهاره حتى يرى حمرة بباب المظلومين . فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله تعالى غلبت عليه رأفته ورحمته على المشركين وأنت مؤمن بالله تعالى من أهل بيت نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، كيف لا تغلب رأفتك بالمؤمنين ! » . وحكى أيضا أن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة وهو يريد مكة . فأقام بها أياما . فأرشد إلى أبى حازم « 1 » ، فدعاه . فلما دخل عليه قال له سليمان : « يا أبا حازم ! ما لنا نكره الموت ونحب الحياة ؟ ! » فقال : « لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم الدنيا ، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب » فقال : يا أبا حازم ! كيف القدوم على الله تعالى غدا ؟ قال : « يا أمير المؤمنين ! أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله ؛ وأما المسىء فكالآبق « 2 » يقدم على مولاه ! » فبكى سليمان وقال : ليت شعري ما لي عند الله غدا . قال أبو حازم : « اعرض عملك على كتاب الله تعالى حيث يقول : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 13 - 14 ] . قال سليمان : فأين رحمة الله ؟ قال : قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : 56 ] . ثم قال
--> ( 1 ) أبو حازم سلمة بن دينار المخزومي المدني الأعرج ، « عالم المدينة وزاهدها وواعظها ؛ سمع سهل بن سعد وطائفة . وكان أشقر فارسيا ، وأمه رومية ، وولاؤه لبنى مخزوم . قال ابن خزيمة : ثقة ، لم يكن في زمانه مثله . له حكم ومواعظ » توفى سنة 140 ه « وقال عنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ما رأيت أحدا الحكمة أقرب إلى فيه من أبى حازم » . ( 2 ) الآبق : العبد الهارب .