الغزالي

181

فضائح الباطنية

يلحق بالبهائم فيصير إمّا غمزا كثور « 1 » ، وإما شرها كخنزير ، وإما ضرعا ككلب أو حقودا كجمل أو متكبرا كنمر أو ذا روغان ونفاق كثعلب ، أو يجمع ذلك فيصير كشيطان مريد . وعلى ذلك دلّ قوله تعالى : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [ المائدة : 60 ] ، وقال : كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الفرقان : 44 ] ، وقال إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [ الأنفال : 22 ] ، وهذه الصفات الذميمة تجتمع في الآدمي في هذا العالم وهو في صورة الإنسان ، فتكون الصفة باطنة والصورة ظاهرة ؛ وفي الآخرة تتحد الصور والصفات ، فيصور كل شخص بصفته التي كانت غالبة عليه في حياته ، فمن غلب عليه الشر ، حشر في صورة خنزير ، ومن غلب عليه الغضب حشر في صورة سبع ، ومن غلب عليه الحمق حشر في صورة حمار ، ومن غلب عليه التكبر حشر في صورة نمر ، وهكذا جميع الصفات ، ومن غلب عليه العلم والعمل واستولى بهما على هذه الصفات حشر في صورة الملائكة وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النساء : 69 ] . وهذه الوظائف التي ذكرناه علمية يجب التأمل فيها حتى تتمثل في القلب فتكون نصب العين في كل لحظة . وإنما تترسخ هذه العلوم في النفس إذا أكّدت بالعمل كما سنذكره في الوظائف العملية بعد . القول في الوظائف العملية وهي كثيرة ، أولاها وهي من الأمور الكلية : أن كلّ من تولى عملا على المسلمين فينبغي أن يحكم نفسه في كل قضيّة يبرمها ؛ فما لا يرتضيه لنفسه لا يرتضيه لغيره ، فالمؤمنين كنفس واحدة ، فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة

--> ( 1 ) غمزا كثور : يضرب الأرض بحافره ؛ ( يغمزها ) .