الغزالي

182

فضائح الباطنية

فليدركه موته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر ؛ وليأت إلى الناس الّذي يحب أن يؤتى إليه » « 1 » . وروى أنس بن مالك : عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من أصبح وهمه غير الله تعالى فليس من الله في شيء ؛ ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس من المسلمين » . ومنها : أن يكون وإلى الأمر متعطشا إلى نصيحة العلماء ومتبجحا « 2 » بها إذا سمعها ، وشاكرا عليها ، فقد روى أن أبا عبيدة ومعاذا كتبا إلى عمر رضي الله عنهم : « أما بعد ! فإنا عهدناك وشأن نفسك لك مهمّ ؛ وأصبحت وقد وليت بأمر هذه الأمة : أسودها وأحمرها ، يجلس بين يديك الشريف والوضيع ، والصديق والعدو ؛ ولكل حصته من العدل . فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر ! وإنا نحذرك مما حذرت الأمم قبلك ، يوم تعنو فيه الوجوه وتجب « 3 » فيه القلوب ، وتقطع فيه الحجّة لعزّ ملك قهرهم جبروته والخلق داخرون له ينتظرون قضاءه ويخافون عقابه ، وإنه ذكر لنا أنه سيأتي على الناس زمان يكون إخوان العلانية أعداء السريرة ، فإنّا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا من قبلك سوى المنزل الّذي نزل من قلوبنا ، وإنا كتبنا إليك نصيحة . والسلام ! » فكاتبهما بجوابه ، وذكر في آخر ما كتب : « إنكما كتبتما إلى نصيحة منكما بكتاب ، فإني لا غنى بي عنكما . والسلام عليكما ! » . ومنها : ألا يستحقر الوالي انتظار أرباب الحاجات ووقوفهم بالباب في لحظة واحدة ؛ فإن الاهتمام بأمر المسلمين أهم له ، وأعود عليه مما هو متشاغل به من نوافل العبادات ، فضلا عن اتباع الشهوات ، فقد روى : ( أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه ! - جلس يوما للناس ، فلما انتصف النهار ضجر ومل ، فقال للناس : مكانكم حتى أعود إليكم فدخل يستريح ساعة ، فجاء ابنه عبد الملك « 4 » فاستأذن

--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم . ( 2 ) متبجحا : فرحا . ( 3 ) تجب : تضطرب . ( 4 ) عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ، كان شهما شديد الورع جريئا في الحق .