الغزالي
180
فضائح الباطنية
الإنسان كفرسه ، وغضبه ككلبه ، فإن كان الفارس حاذقا والفرس مروضا والكلب مؤدّبا ومعلما فهو قمين بإدراك حاجته من الصيد ، ومتى كان الفارس أخرق وفرسه جموحا أو حرونا وكلبه عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ، ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا ، فهو قمين أن يعطب ، فضلا أن يدرك ما طلب . ومهما جاهد الإنسان فيها هواه ، فله ثلاثة أحوال : الأول : أن يغلبه الهوى فيتبعه ويعرض عن الشرع كما قال الله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : 23 ] ؛ الثاني : أن يغالبه فيقهره مرة ويقهره الهوى أخرى ، فله أجر المجاهدين ، وهو المراد بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « جاهدوا هواكم كما تجاهدوا أعداءكم » « 1 » ؛ الثالث : أن يغلب هواه ككثير من الأنبياء وصفوة الأولياء ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من أحد إلا وله شيطان ، وإن الله قد أعانني على شيطانى حتى ملكته » « 2 » . وعلى الجملة فالشيطان يتسلط على الإنسان بحسب وجود الهوى فيه ، وإنما مثلت الشهوة بالفرس والغضب بالكلب لأنه لولاهما لما تصورت العبادة المؤدية إلى سعادة الآخرة ، فإن الإنسان يحتاج في عبادته إلى بدنه ولا قيام إلا بالقوت ، ولا يقدر على الاقتيات إلا بشهوة ، وهو محتاج إلى أن يحرس نفسه عن الهلكات بدفعها ؛ ولا يدفع المؤذى إلا بداعية الغضب ، فكأنهما خادمان لبقاء البدن ؛ والبدن مركب النفس ، وبواستطهما يصل إلى العبادة ، والعبادة طريقه إلى النجاة . الوظيفة الرابعة : أن يعرف أن الإنسان مركّب من صفات ملكية وصفات بهيمية ، فهو حيران بين الملك والبهيمة ، فمشابهته للملك بالعلم والعبادة والعفة والعدالة والصفات المحمودة ؛ ومشابهته للبهائم بالشهوة والغضب والحقد والصفات المذمومة . فمن صرف همته إلى العلم والعمل والعبادة فخليق أن يلحق بالملائكة فيسمى ملكا وربانيا كما قال تعالى : إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [ يوسف : 31 ] . ومن صرف همته إلى اتباع الشهوات واللذات البدنية يأكل كما تأكل البهائم فخليق أن
--> ( 1 ) رواه ابن ماجة والبيهقي . ( 2 ) رواه البخاري ومسلم .