الغزالي
179
فضائح الباطنية
وفي الحديث أن الله تعالى قال لعبسى بن مريم : « عظ نفسك ، فإن اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستحى منى » « 1 » . ومثال من عجز عن إصلاح نفسه وطمع في إصلاح غيره مثال الأعمى إذا أراد أن يهدى العميان ، وذلك لا يستتب له قطّ ، وإنما يقدر على إصلاح النفس بمعرفة النفس ؛ ومثل معرفة الإنسان في بدنه كمثل وال في بلده ، وجوارحه وحواسه وأطرافه بمنزلة صنّاع وعملة ، والشرع له كمشير ناصح ووزير مدبر ؛ والشهوة فيه كعبد سوء جالب للميرة والطعام ، والعصب له كصاحب شرطة ، والعبد الجالب للميرة خبيث ماكر يتمثل للإنسان بصورة الناصح ، وفي نصحه دبيب العقرب ، فهو يعارض الوزير في تدبيره ، ولا يغفل ساعة من منازعته ومعارضته ؛ فكان الوالي في مملكته متى استشار في تدبيراته وزيره دون هذا العبد السوء الخبيث وأدب صاحب شرطته وجعله مؤتمرا لوزيره وسلطه على هذا العبد الخبيث وأتباعه حتى يكون هذا العبد مسوسا لا سائسا ، ومدبّرا لا مدبّرا استقام أمر بلده . وكذا النفس ، متى استعانت في تدبيراتها بالشرع والعقل ، وأدّبت الحمية والغضب حتى لا يهتاج إلا بإشارة الشرع والعقل ، وسلطته على الشهوة ، واستتب أمرها ؛ وإلا فسدت واتبعت الهوى ولذات الدنيا ، كما قال الله تعالى : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى [ ص : 26 ] الآية ؛ وقال تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : 23 ] الآية ، وقال أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [ الأعراف : 176 ] ، وقال تعالى في مدح من عصاها : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى [ النازعات : 40 ] الآية ، وعلى الجملة فينبغي أن يكون العبد طول عمره في مجاهدة غضبه وشهوته ، ومتشمرا لمخالفتها كما يتشمر لمخالفة أعدائه فإنهما عدوان كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « أعدى عدو نفسك التي بين جنبيك » « 2 » ، ومثال من اشتغل بالتلذذ عند الشهوات ، والانتقام عند الغضب مثل رجل فارس صيّاد له فرس وكلب غفل عن صيده ، واشتغل بتعهد فرسه وطعمة كلبه وضيع فيه جميع وقته ؛ فإن شهوة
--> ( 1 ) رواه مسلم . ( 2 ) رواه مسلم .