الغزالي

168

فضائح الباطنية

من الغير لا محالة ، والهداية وإن اعتمدت على غزارة العقل ففوائدها يمكن فيها الاستعارة بطريق المراجعة والاستشارة ، والعلم أيضا يمكنه تحصيله بالاستفتاء واستطلاع رأى العلماء ؛ والورع هو الأساس والأصل ، وعليه يدور الأمر كله . ولا يغنى فيه ورع الغير ، وهو رأس المال ومصدر جملة الخصال ، ولو اختل هذا - والعياذ بالله ! - لم يبق معتصم في تحقيق الإمامة ، فالحمد لله الّذي زين أحوال الإمام الحق المنصور إمامته ، بالورع والتقوى حتى أو في فيه على الغاية القصوى فتميز بمتانة الدين وصفاء العقل واليقين في جماهير الخلفاء ، حتى ظهر من أحواله ، منذ تجمل صدر الخلافة بجماله ، من إفاضة الخيرات والعطف على الرعايا وذوى الحاجات وقطع العمارات التي كانت العادة جارية بالمواظبة عليها ، كل ذلك إضرابا عن عمارة الدنيا وإكبابا على ما ظهر من عمارة الدين ؛ هذا مع ما ظهر من سيرته في خاصّة حالته ، من لبس الثياب الخشنة واجتناب الترفه والدعة ، والمواظبة على العبادات ، ومهاجرة الشهوات واللذات ، استحقارا لزخارف الدنيا ، وتوقيا من ورطات الهوى ، والتفاتا إلى حسن المآب في العقبى ، فهو على التحقيق الشابّ الّذي نشأ في عبادة الله ، هذا كله في عنفوان السن وغرة من الشباب وبداية الأمر ، ينبّه العقلاء لما سينتهى إليه الحال إذا قارب سن الكمال : إن الهلال إذا رأيت نموّه * أيقنت أن سيصير بدرا كاملا والله تعالى يمده بأطول الأعمار وينشر أعلامه في أقاصي الديار . فإن قال قائل : كيف تجاسرتم على دعوى التقوى والورع ، ومن شرطه التجرد عن الأموال حتى لا يأخذ قيراطا إلا من حلّه ، ولا يدعه إلا في مظنّة استحقاقه ، وقد قال : رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « اتقوا النار ولو بشق تمرة » « 1 » . وليس يتم الورع بالمواظبة على الفرائض واجتناب الموبقات والكبائر ، بل عماد هذا الأمر العدل واجتناب

--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم وأحمد من أبو داود .