الغزالي
169
فضائح الباطنية
الظلم في طرفي الإعطاء والأخذ ، فإن ادعيتم حصول هذا الشرط نفرت القلوب عن التصديق ؛ وإن اعترفتم باختلال الأمر فيه انخرم ما ادعيتموه من حصول الورع والتقوى . قلنا : هذا السؤال نكسر أولا سورته ، ثم ننبه على سر هو منتهى الإنصاف فنقول : إن صدر الاعتراض عن باطني فلعله لو راجع صاحبه الّذي يواليه واستقرى ما شاهده من هذه الأحوال فيه ، افتضح في دعاويه ، وكان الحياء خيرا له مما يورده ويبديه ، وإن صدر السؤال عن أحد علماء العصر الذين يعتقدون خلو الزمان عن الإمام لفقد شرطه ، فيقال له : هون على نفسك ، فإن دعوى وجود هذا الشرط غير مستبعدة ؛ فإن الأموال المنصوبة إلى الخزائن المعمورة أربعة أصناف : الصنف الأول ارتفاع المستغلات ، وهي مأخوذة من أموال موروثة له ، والصنف الثاني أموال الجزية ، وهي من أطيب ما يؤخذ . والصنف الثالث : أموال التركات ، ولم يعهد منه قط إلى الآن الطمع في تركة يتعين لاستحقاقها وارث ، ومن لا وارث له فمنصبّه بيت المال ؛ الصنف الرابع : أموال الخراج المأخوذة من أرض العراق ، ومذهب الشافعي وطوائف من العلماء أن أرض العراق وقف - وهي من عبّادان إلى الموصل طولا ، ومن القادسية إلى حلوان عرضا « 1 » ، إنه وقفها عمر رضي الله عنه على المسلمين ليكون جميع خراجها منصبا إلى بيت المال ومصالح المسلمين ، فهذه هي الأموال المأخوذة ، وأخذها جائز ، ويبقى النظر في مصارفها ، وهي مع اختلاف جهاتها تحويها أربع جهات ، وفيها تنحصر مصالح الإسلام والمسلمين : الجهة الأولى : المرتزقة من جند الإسلام ، إذ لا بدّ من كفايتهم ، وأكثرهم في هذا العصر مكفيون بثروتهم واستظهارهم ، ومقتدرون على كفاية غيرهم ؛ ومع ذلك فقد أمدّهم الرأي الشريف النبوي في هذه الأيام مدة مقام العسكر بمدينة
--> ( 1 ) حلوان : العراقية .