سيف الدين الآمدي

95

غاية المرام في علم الكلام

ثم إن من الأحكام التكليفية ما هو مأمور به ، بالإجماع من المعترفين بالتكاليف ، وذلك كالصلاة والحج ونحوهما من العبادات ، وقد لا يكون مرادا لكونه غير واقع . ولو كان مرادا فالإرادة عبارة عن : معنى يوجب تخصيص الحادث بزمان حدوثه ، فلو كان المعنى الذي يوجب تخصيصه بزمان ما متحققا لما تصور أن لا يوجد مطلقا ، ولا يمكن أن يقال بكونه غير مأمور ، لعدم تعلق الإرادة به ، إذ الأمة مجمعة على وجوب نية الفرضية في أول الصلاة مع جواز الاخترام في وسطها ، ولو لم يكن مأمورا بها وإلا لكان القصد الجازم إلى الفرضية من العالم بنفيها ، والمتشكك في وقوعها ، محالا . بل ومن عزم في أول الوقت على فعل الصلاة أو غيرها مما فرض من العبادات فالأمة أيضا مجمعة على أنه متقرب إلى اللّه تعالى ولو لم يكن مأمورا . وإلا لكان التقرب به إلى اللّه تعالى محالا . ومما يدل عليه ما اشتهر من قصة إبراهيم ، من أمره بذبح ولده ، مع عدم تعلق الإرادة بوقوعه . وما قيل من أن ذلك كان مناما لا أمرا ، وأن تعلق الأمر لم يكن إلا بالعزم على الذبح ، أو الاتكاء وإمرار السكين ، أو أن الذبح مما وقع واندمل الجرح ، فمندفع ، إذ أكثر الوحي إلى الأنبياء إنما كان مناما . ولو لم يكن ذلك بطريق الوحي ، وإلا كان إقدام النبي على فعل محرم مما لا أصل له ، وذلك محال . وحمل الأمر على غير الذبح ، من العزم أو الاتكاء وإمرار السكين ، باطل . وإلا لما صح تسميته بلاء ، إذ لا بلاء فيه ، وتسمية الذبح بلاء لضرورة وقوع المأمور به . وبه يندفع القول بتحقيق وقوع الذبح أيضا . كيف وأن تفسير الأمر بالإرادة ، مع التسليم بكون الباري آمرا بأفعالنا ، مما يستحيل على أصل المعتزلي ؛ لضرورة كونها مخلوقة لنا عنده ، وتعلق الإرادة بفعل الغير تمن وشهوة ، لا أنها إرادة حقيقية . وذلك على اللّه ممتنع . فقد بان أن مدلول صيغة الأمر ليس هو نفس إرادة الامتثال ، وكذا يمكن إيضاح سائر أقسام الكلام .