سيف الدين الآمدي

96

غاية المرام في علم الكلام

ولا جائز أن تكون الإرادة لإحداث الصيغة ، فإنه ليس مدلولها ، ثم إن مدلولات أقسام الكلام مختلفة ، ولا اختلاف في إرادة إحداث الصيغة ، من حيث هو كذلك . ولا جائز أن تكون الإرادة لجعل الصيغة دالة على الأمر فإنه تصريح بأن الإرادة وراء الأمر الذي هو مدلول قوله : أمرتك ، وأنت مأمور . ثم إن الألفاظ إنما هي دلائل وتراجم عن أشياء ، وكل ذي عقل سليم يقضي بأن قول القائل : أمرتك ونهيتك ليس ترجمة عن إرادة جعلها دالة على شيء مخصص . وعند هذا فلا بد من العود إلى نفس مدلولها ، فإن كان نفس الإرادة فقد أبطلناه وإن كان غيرها فهو المقصود . كيف وأن الإنسان يجد من نفسه بقاء ما دلت عليه لفظة « أمرتك » من الطلب والاقتضاء ، وإن عدمت اللفظة ، وإرادة جعلها دالة على شيء ما ؟ فقد امتنع بهذا تفسيره بالإرادة . ولا سبيل إلى تفسيره بالقدرة ، إذ القدرة عبارة عن معنى يتأتى به الإيجاد بالنسبة إلى كل ممكن . والأمر والنهي لا يتعلق بكل ممكن ، فإذا القدرة أعم من الأمر والنهي من وجه . والأمر - عند القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق - أعم من القدرة من جهة أخرى ، وهو تعلقه بالممكن وغير الممكن . ولا سبيل إلى تفسيره بالعلم ؛ إذ العلم أعم من الأمر ، من حيث إنه قد يتعلق بما لم يتعلق به الأمر ، وبما يتعلق به الأمر . وكيف تكون حقيقة الأعم هي حقيقة الأخص ؟ كيف وإن كل إنسان منصف يجد من نفسه لما يتلفظ به من العبارات الدالة مدلولات وراء كل ما يقدر من العلوم . فإذا قد لاح الحق ، واستبان ، وظهر أنه لا بدّ من معنى زائد على ما ذكروه ، هو مدلول العبارات والإشارات الحادثة ، وإن كان في نفسه قديما ، وذلك المعنى هو الذي يجده الإنسان من نفسه ، عند الإخبار عن أمور رآها أو سمع بها ، وعند قوله لغيره : افعل أو لا تفعل ، وتواعده له ووعده إياه ، إلى غير ذلك . وهو الذي