سيف الدين الآمدي
94
غاية المرام في علم الكلام
والجواب : أما إنكار صدق المقدمة الكبرى فقد أوضحنا بطلانه . وأما قولهم : إنه يستحيل أن يكون من جنس كلام البشر وإلا كان مشاركا له في العرضية والإمكان فقد سبق الجواب عنه بما فيه كفاية ، تغنى عن إعادته . وليس مرادنا من إطلاق لفظ الكلام غير المعنى القائم بالنفس ، وهو ما يجده الإنسان من نفسه عند قوله لعبده : ايتني بطعام أو اسقني بماء . وكذا في سائر أقسام الكلام . وهذه المعاني هي التي يدل عليها بالعبارات وينبه عليها بالإشارات ، وإنكار تسميته أو كونه كلاما مما لا يستقيم نظرا إلى الإطلاق الوضعي ، فإنه يصح أن يقال : في نفسي كلام ، وفي نفس فلان كلام ، ومنه قوله تعالى : وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ [ المجادلة : 8 ] ومنه قول الشاعر : إن الكلام لفي الفؤاد ، وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا وهذا الإطلاق والاشتهار دليل صحة إطلاق الكلام على ما في النفس . ولا نظر إلى كونه أصليا فيه أو فيما يدل عليه من العبارات أو فيهما ، كيف وإن حاصل هذا النزاع ليس إلا في قضية ، لغوية وإطلاقات لفظية ، ولا حرج منها بعد فهم المعنى . ثم لا سبيل إلى تفسير ذلك المعنى بالإرادة ، ولنفرض الكلام في الأمر فإنها إما أن تكون الإرادة للامتثال ، أو لإحداث الصيغة ، أو لجعلها دالة على الأمر على ما هو مذهبهم : لا سبيل إلى القول بالأول . فإنه قد يؤمر بما ليس بمراد أن يمتثل وذلك كما في تكليف أبي جهل بالإيمان مع عدم إرادة وقوعه منه ، بل كما في حالة السيد المتوعد من جهة السلطان على ضرب عبده ، إذا اعتذر إليه بأنه يخالف أمره ، وأمره بين يدي السلطان طالبا بسط عدوه . وهربا من عذاب السلطان له ، فإنا نعلم أنه لا يريد الامتثال من العبد لما يلزمه من المحذور المتوقع من السلطان ، ومع ذلك فإنه - في نظر أهل العرف والوضع - آمر ، ويعد العبد بالامتثال مطيعا ، وبالإعراض عاصيا ، وبهذا يندفع قول القائل إنه متوهم بالأمر وليس بأمر .