سيف الدين الآمدي

87

غاية المرام في علم الكلام

ذهب أهل الحق من الإسلاميين إلى كون الباري - تعالى - متكلما بكلام قديم أزلي نفساني ، أحدي الذات ، ليس بحروف ولا أصوات ، وهو - مع ذلك - ينقسم بانقسام المتعلقات ، مغاير للعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات . وأما أهل الأهواء المختلفون : فمنهم نافون للصفة الكلامية ، ومنهم مثبتون . . . ثم المثبتون : منهم من زعم أن كلام الرب - تعالى عن قول الزائغين - مركب من الحروف والأصوات ، مجانس للأقوال الدالة والعبارات ، كالمعتزلة والخوارج والإمامية ، وغيرهم من طوائف الحشوية . ثم اختلف هؤلاء : فذهب الحشوية إلى أنه قديم أزلي قائم بذات الرب تعالى . وذهب النافون إلى أنه حادث موجود بعد العدم ، قائم لا في محل ، لكن منهم من لم يجوز إطلاق اسم الحدث عليه مع كونه يقطع بحدثه ، ومنهم من لم يتحاش عن ذلك . ومن المثبتين من زعم أن الكلام قد يطلق على القدرة على التكلم ، وقد يطلق على الأقوال والعبارات . وعلى كلا الاعتبارين فهو قائم بذات الرب - تعالى - ، لكن إن كان بالاعتبار الأول . فهو قديم متحد لا كثرة فيه ، وإن كان بالاعتبار الثاني كان حادثا متكثرا . وهؤلاء هم الكرامية ، ومن تابعهم

--> - بالصانع - تعالى - : إلى أنه لا يوصف بكونه متكلما ، لا بكلام ولا بغير كلام . وإذا أتينا على ما هو المنقول عن أرباب هذه المذاهب في هذه المسألة ؛ فلا بد من الإشارة إلى طرق عول عليها بعض الأصحاب في المسألة ، والتنبيه على ضعفها ، ثم نبين بعد ذلك ما هو المعتمد إن شاء اللّه - تعالى . فمنها : التمسك بقوله - تعالى - : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] ، ووجه الاحتجاج به أنه أخبر بأن مصدر جميع المخلوقات أمره ، وهو قوله : كُنْ ، ويلزم من ذلك أن يكون أمره قديما ، وإلا لاستدعى أمرا آخر ، والكلام في ذلك الأمر كالكلام في الأول ؛ وهو تسلسل ممتنع .