سيف الدين الآمدي
88
غاية المرام في علم الكلام
من أهل الضلال . ونحن الآن نبتدئ بذكر طرق عول عليها العامة من المتكلمين في إثبات الكلام وننبه على مواضع الزلل فيها ، ثم نوضح بعد ذلك الأجود من الجانبين ، ونكشف عن مستند الطائفتين إن شاء اللّه . فمن جملة ما اعتمد عليه أن قالوا : العقل الصريح يقضي بتجويز تردد الخلق بين الأمر والنهي ووقوعهم تحت التكليف ، فما وقع فيه التردد إما قديم أو حادث ، فإن كان قديما فهو المطلوب ، وإن كان حادثا فكل صفة حادثة لا بد أن تكون مستندة إلى صفة قديمة للرب تعالى قطعا للتسلسل ، وإذا كان ذلك وجب أن يستند تكليفهم إلى أمر ونهي هو صفة قديمة للرب - تعالى - . وهذا ما لا يصح التعويل عليه ؛ وذلك أنه إما أن يدّعي أن الخلق جائز تكليفهم وترددهم بين الأمر والنهي من الخالق أو من المخلوق ، فإن كان الأول فهو عين المصادرة على المطلوب . وإن كان الثاني فغير مفيد ولا محد للمقصود ، ولا يلزم من كون ما وقع به التكليف من الأوامر والنواهي جائزا أن يستند إلى صفة قديمة ، أن تكون أمرا ونهيا ، حتى لا يكون أمر حادث إلا عن أمر ، ولا نهي إلا عن نهي . فإن افتقار الجائز في الوجود لا يدل إلا على ما يجب الانتهاء إليه والوقوف عليه ، ولا دلالة له على كونه أمرا أو نهيا ، ومن رام إثبات ذلك فقد كلف نفسه شططا . ثم لو وجب ذلك لكان الباري تعالى متصفا بمثل كل ما وجد في عالم الكون والفساد من الكائنات وذلك محال . ولهذا انتهج بعض الأصحاب في الإثبات طريقا آخر فقال : قد ثبت كون الباري - تعالى - عالما ومن علم شيئا يستحيل أن لا يخبر عنه ، بل العلم والخبر متلازمان ، فلا علم إلا بخبر ولا خبر إلا بعلم . وهو من النمط الأول في الفساد ، فإنه إن ادعى ذلك بطريق العموم والشمول في حق الخالق والمخلوق فهو نفسه مصادرة على المطلوب . ولا يخفى ما فيه من الركاكة والفهاهة ،