سيف الدين الآمدي
86
غاية المرام في علم الكلام
الطرف الرابع في إثبات صفة الكلام « 1 »
--> ( 1 ) وقد أجمع المسلمون قاطبة على اتصاف الرب - تعالى - بكونه متكلما - وأنه تكلم ، ويتكلم ، غير الإسكافي من المعتزلة ؛ فإنه نازع في كونه يتكلم . متحكما في الفرق بين تكلم ، ويتكلم . لكن معنى كونه متكلما عند أصحابنا : أنه قام بذاته كلام ، قديم ، أزلي نفساني ، أحدي الذات ، ليس بحروف ، ولا أصوات ، وهو مع ذلك متعلق بجميع متعلقات الكلام . لكن اختلفوا في وصف كلام اللّه - تعالى - في الأزل بكونه أمرا ونهيا ، مخاطبة تكلما ، فأثبت ذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري ، ونفاه عبد اللّه بن سعيد ، وطائفة كثيرة من المتقدمين : مع اتفاقهم على وصفه - تعالى - بذلك فيما لا يزال . وأما المعتزلة : فقد اتفقوا كافة على معنى أن كونه متكلما . أنه خالق للكلام على وجه لا يعود إليه منه صفة حقيقية كما لا يعود إليه من خلق الأجسام وغيرها صفة حقيقية ، واتفقوا أيضا على أن كلام الرب - تعالى - مركب من الحروف ، والأصوات ، وأنه محدث مخلوق . ثم اختلفوا : فذهب الجبائي ، وابنه أبو هاشم : إلى أنه حادث في محل . ثم زعم الجبائي أن اللّه - تعالى - يحدث عند قراءة كل قارئ كلاما لنفسه في محل القراءة ، وخالفه الباقون . وذهب أبو الهذيل بن العلاف ، وأصحابه : إلى أن بعضه في محل ؛ وهو قوله كُنْ وبعضه لا في محل ؛ كالأمر ، والنهي ، والخبر ، والاستخبار . وذهب الحسين بن محمد النجار : إلى أن كلام الباري - تعالى - إذا قرئ ؛ فهو عرض ، وإذا كتب ، فهو جسم . وذهب الإمامية والخوارج ، والحشوية أيضا : إلى أن كلام الرب - تعالى - مركب من الحروف ، والأصوات . ثم اختلف هؤلاء : فذهبت الحشوية : إلى أنه قديم أزلي ، قائم بذات الرب - تعالى - لكن منهم : من زعم أنه من جنس كلام البشر . ومنهم من قال : ليس من جنس كلام البشر ؛ بل الحرف حرفان ، والصوت صوتان قديم ، وحادث ، والقديم منهما ليس من جنس الحادث . وأما الكرامية : فقالوا : إن الكلام قد يطلق على القدرة على التكلم ، وقد يطلق على الأقوال ، والعبارات . وعلى كلا الاعتبارين ؛ فهو قائم بذات الرب - تعالى - لكن إن كان بالاعتبار الأول : فهو قديم متحد ، لا كثرة فيه . وإن كان بالاعتبار الثاني ؛ فهو حادث متكثر . وأما الواقفية : فقد أجمعوا على أن كلام اللّه - تعالى - كائن بعد ما لم يكن ؛ لكن منهم من توقف في إطلاق اسم المخلوق ، وأطلق اسم الحادث عليه . ومن القائلين بالحدوث : من قال : ليس هو جوهرا ، ولا عرضا . وذهب بعض المعترفين