سيف الدين الآمدي

76

غاية المرام في علم الكلام

للخوض في التفصيل بين ذاته وباقي الذوات ، ولا بين الكليات والجزئيات كما سنبينه . فالحق أن مبدأ النظر في مبدأ أهل الحق مستمد من التخصيص والتمييز بصفة الإرادة . ومع ثبوت ذلك : فالمتميز إما أن يكون محاطا به أو غير محاط به ، لا جائز أن يكون غير محاط به ، وإلا لما تصور تمييزه عن غيره . فإذا لا بدّ من الإحاطة به . ثم كيف ينكر ذلك والعقل الصريح يقضي بيديه ، بأن صدور ما هو على غاية من الإحكام والإتقان عمن لا إحاطة له محال ، كيف وأنه لو لم يكن متصفا بالعلم لكان ناقصا بالنسبة إلى من له العلم من مخلوقاته كما سبق بيانه وهو محال . وعند لزوم هذا العلم له إما أن يكون معنى عدميا ، أو لا وجوديا ولا عدميا ، وإما أن يكون وصفا وجوديا : لا جائز أن يقال بكونه عدميا ، إذ لا فرق بين قولنا إنه لا علم له ، وبين قولنا إن علمه معنى عدمي ، كيف وأن من فهم مدلول هذه اللفظة لم يجد من نفسه أن فهمه لأمر سلبي عدمي البتة . ولا جائز أن يقال بأنه لا موجود ولا معدوم ، إذ هو مبني على القول بالأحوال ، وقد أبطلناها . وإذ ذاك فلا بد من أن يكون معنى وجوديا . وهو مع ذلك قديم أزلي ، قائم بذات الرب تعالى ، متعلق بجميع الكائنات ، متحد لا كثرة فيه ، غير متناه بالنظر إلى ذاته ومتعلقاته . وبيان ذلك على نحو بيانه في الإرادة ، وقد عرف فلا حاجة إلى إعادته . لكن ربما أشكل وجه استعمال ما ذكرناه في بيان اتحاد الإرادة في العلم ، والسبيل فيه أن يقال : بعد إبطال الاقتضاء للتخصيص بالذات ، وتعين الاقتضاء بالقدرة والإرادة فإن شرط هذا الاقتضاء تعلق العلم بالمقتضى كما سلف . وإذ ذاك فإما أن يكون كل واحد من أقسام العلم هو المتعلق بما تخصصه القدرة والإرادة ، أو غيره : فإن كان هو ، فهو إنما يتم تعلقه بغيره ، أن لو كان متخصصا بالوجود ، وذلك يفضي