سيف الدين الآمدي
64
غاية المرام في علم الكلام
المكلفين وإن انقسمت إلى خيرات وشرور ، لكن الإرادة إنما تتعلق بها من حيث وجودها وتحققها ، وهي من هذا الوجه ليست بشرور ، بل خيرات محضة ، وإنما تلحقها الشرور باعتبار الصفات التي هي منتسبة إلى فعل العبد وقدرته ، وهي ما قلتم إنها توابع الحدوث ، كما يأتي تحقيقه في مسألة خلق الأفعال . وهي من هذه الجهة ليست مرادة للّه - تعالى - على الأصلين ؛ فإن إرادة فعل العبد - من حيث إنه فعله - تمن وشهوة ، وذلك في حق الباري محال . فإذا ما هو مراد اللّه تعالى إنما هو التخصيص والإحداث وذلك هو الخير ، وما هو الشر ومنه الشر فهو ما وقع مسندا إلى فعل العبد من حيث هو فعله ، وذلك غير مراد اللّه تعالى . وسنبين إبطال هذا المقال في مسألة خلق الأعمال ، وأن ما من حادث إلا وهو مضاف إلى الباري تعالى بأنه محدثه ومريد له ، وأنه لا خالق إلا اللّه تعالى ولا مبدع إلا هو ، وأنه لا يجري في ملكه إلا ما هو مراد له ، ومن حيث هو مراد له ليس بشر ، فإن تعلق الإرادة به إنما هو من جهة تخصصه بالوجود دون العدم أو العدم دون الوجود ، وبالجملة من جهة تخصصه ببعض الأحوال دون البعض ، وذلك مما لا يوصف بكونه شرا من حيث هو كذلك . نعم إن وصف بعض الحادثات بكونه شرا ، فذلك ليس هو لعينه ، ولا أن الشر وصف ذاتي له ، ولا هو في نفسه معنى وجودي ، بل معنى نسبي . وأمر إضافي . كما يأتي تحقيقه في مسألة التحسين والتقبيح . وذلك مما لا يمنع من إضافته إلى الإرادة القديمة وإلا لما أضيف إليها ما في عالم الكون والفساد ، من التحريق والتغريق ، والضعف ، والزلازل ، والهدم ، ونحو ذلك من الآفات الفادحة والأمراض المؤلمة وغير ذلك مما لا يقولون به . ثم إن مستندهم فيما ذكروه ليس إلا الشاهد ، لو صح أن يقال : الغائب باعتبار إرادته للشر شرير - كما في الشاهد - صلح أن يقال إذا أراد الطاعة مطيع .