سيف الدين الآمدي

65

غاية المرام في علم الكلام

فإن قيل : تسمية الواحد منا مطيعا ، وإنما كان بالنسبة إلى ما أراده وقصده مما هو مأمور به وملجأ إليه ، والباري - تعالي - منزه عن ذلك . قلنا : فما المانع من أن تكون تسمية الواحد منا - أيضا - شريرا أو سفيها بالنسبة إلى ما قصده ، من جهة أنه منهي عنه ، وممنوع منه ؟ كيف وأن هذا هو الحق ، وأن الصبي والمجنون لو أتيا بمثل ما يأتي به المطيع والشرير ، فإنه لا يقال فما مطيع وإلا شرير ؟ ولم يكن ذلك إلا لعدم ورود التكليف نحوه . هذا إن ورد من المعتزلة . وأما الفلاسفة فلهم تفصيل مذهب في معنى الخير والشر ، وهو ما لا تمس الحاجة إلى ذكره . وإن من حقق ما قررناه ، أمكنه التفصي عن كل ما يتخيلونه هاهنا . وأما المحال الثالث : فإنما يلزم أن لو كان المأمور والمنهي مرادا وليس كذلك ، بل المأمور الذي علم وقوعه والمنهي الذي علم الانتهاء عنه هو المراد ، أما ما علم انتفاؤه فليس بمراد الوجود ، وإن كان مأمورا به ، وما علم وجوده فليس بمراد الانتفاء وإن كان منهيا عنه ، وإلا كان فيه إبطال أخص وصف الإرادة ، وهو تأتي التمييز بها ، وهو ممتنع . وأما ما يطلق عليه اسم الإرادة مع عدم حصول التمييز به فليس في الحقيقة إرادة بل شهوة وتمنيا ، فإذا الإرادة أعم من الأمر من جهة أنها توجد ولا أمر ، والأمر أعم منها من جهة أنه قد يكون ولا إرادة ، وليس ولا واحد منهما يلزم الآخر لزوما معاكسا ولا غير معاكس . وعند ذلك فلا يلزم من الأمر بالوجود وإرادة العدم ما تخيلوه من التناقض . وعلى هذا القول في النهي أيضا . ثم كيف ينكر ذلك مع الاعتراف بتكليف أبي جهل بالإيمان من غير إرادة له ؟ وبما ظهر من قصة إبراهيم في تكليفه بذبح ولده ؟ كما يأتي تحقيقه فيما بعد - إن شاء اللّه تعالى - فإذا ليس ثمرة الأمر امتثال ما أمر به ، بل من