سيف الدين الآمدي
54
غاية المرام في علم الكلام
مذهب أهل الحق أن الباري - تعالى - مريد على الحقيقة ، وليس معنى كونه مريدا إلا قيام الإرادة بذاته . وذهب الفلاسفة والمعتزلة والشيعة إلى كونه غير مريد على الحقيقة ، وإذا قيل : إنه مريد ، فمعناه عند الفلاسفة لا يرجع إلا إلى سلب أو إضافة ، ووافقهم على ذلك النجار من المعتزلة ، حيث إنه فسر كونه مريدا بسلب الكراهية والعلية عنه . وأما النظام والكعبي فإنهما قالا : إن وصف بالإرادة شرعا فليس معناه إن أضيف ذلك إلى أفعاله إلا أنه خالقها ، وإن أضيف إلى أفعال العباد فالمراد به أنه أمر بها . وزاد الجاحظ على هؤلاء بإنكار وجود الإرادة شاهدا ، وقال : مهما كان الإنسان غير غافل ولا ساه عما يفعله بل كان عالما به ، فهو معنى كونه مريدا . وذهب البصريون من المعتزلة إلى أنه مريد بإرادة قائمة لا في محل . وذهب الكرامية إلى أنه مريد بإرادة حادثة في ذاته . تعالى اللّه عن قول الزائغين . والذي يقطع دابر أهل التعطيل أن يقال : لو لم يصدق كونه ذا إرادة ، لصدق أنه ليس بذي إرادة . ولو صدق ذلك أنتج قلبه معدولا لضرورة وجود الموضوع ، وقلبه إلى المعدول يجعل حرف السلب ليس متأخرا عن الرابطة الواقعة بين المفردين ، وصورة ذلك أن يقال : الباري هو ليس بذي إرادة ، ولو صح ذلك قلنا أن نقول : وكل ما ليس بذي إرادة فهو ناقص بالنسبة إلى من له إرادة ، فإن من كانت له الصفة الإرادية فله أن يخصص الشيء وله أن لا يخصصه ، شاهدا ، فالعقل السليم يقضي أن ذلك كمال له ، وليس بنقصان ، حتى إنه لو قدر بالنظر إلى الوهم سلب ذلك الأمر عنه ، كان حاله أولا أكمل
--> - وخصوصا ؛ فحاصلها راجع إلى التعريف بالحد اللفظي : وهو تبديل لفظ بلفظ مرادف له . وهذا إنما يفيد عند الجاهل بدلالة اللفظ ، العالم بمعناه ، وأما بالنسبة إلى الجاهل بنفس المعنى فلا . والأقرب في ذلك أن يقال : الإرادة عبارة عن معنى من شأنه تخصيص أحد الجائزين ، دون الآخر ؛ لا ما يلازمه التخصيص . انظر الأبكار : 1 / 215 ) .