سيف الدين الآمدي

50

غاية المرام في علم الكلام

وجوبه مشروط بغيره فإن أراد به أنه واجب بالمعنى الأول فقد ناقض ، حيث جعله معللا ، إذ الواجب بنفسه ما لا يفتقر إلى غيره . وإن أراد به الاعتبار الثاني فلم يخرج عن كونه جائزا ؛ فإن كل ما وجوبه بغيره فهو جائز بنفسه ، على ما عرف فيما مضي . وإذا كان جائزا فتعليله ليس بممتنع . وما يمتنع تعليله ليس إلا ما كان واجبا بنفسه أو ممتنعا . وهذا وإن كان واجبا فليس وجوبه بنفسه فلا يتجه به النقض . فإذا الصحيح أن يقال في الإبطال هاهنا ما قيل في إبطال الأحكام أولا . كيف والخصم له أن يسلم بثبوت هذه الأحكام للباري - تعالى - على وجه تكون النسبة بينها وبين أحكام ذواتنا ، على نحو النسبة الواقعة بين ذاته وذواتنا ؟ وإذ ذاك ، فلا يلزم من تعليل أحد المختلفين أن يكون الآخر معللا ، وإن وقع الاشتراك بينهما في الإطلاقات والأسماء ولا يلزم عليه أن يقال : ما تذكره في العلة مع المعلول هو بعينه لازم لك في الشرط مع المشروط ، حيث إنك جعلت الباري حيا ، لضرورة كونه شرطا لكونه عالما وقادرا ومريدا ، كما في الشاهد ، فما هو اعتذارك في الشرط هو اعتذارنا في العلة . فإن للخصم ألا يسلم أن طريق إثبات كونه حيا إثبات الاشتراط ، بل غيره من الطرق . كيف والبنية المخصوصة عنده شرط في الشاهد ، ومع ذلك لا يلزم الاطراد في الغائب . فكيف يلتزم الاطراد في غيره ؟ وما قيل من أن حد العالم في الشاهد من قام به العلم ، وكذا القادر من قامت به القدرة ، والحد لا يختلف شاهدا وغائبا ، فحاصله يرجع إلى محض الدعوى ، وقد لا يسلم عن منع أو معارضة ، وإذ ذاك فلا سبيل إلى دفعه إلا بأمور ظنية ، وقضايا تخمينية ، لا حاصل لها . ثم إن من رام إثبات الصفات النفسية بطريق التوصل إليها من أحكامها فهي لا محالة عنده أعرف من الصفات ، وإلا لما أمكن التوصل بها إلى معرفها ، وإذا كانت الصفات أخفى فكيف يوجد في حد الشيء أو رسمه ما هو أخفى