سيف الدين الآمدي

51

غاية المرام في علم الكلام

منه ، وشرط المعرف أن يكون أميز مما عرف به ، وإلا فإن كان أخفى منه أو مثله في الخفاء فلا معنى للتعريف به . ولما تخيل بعض الأصحاب عوص هذه الطريقة لم يستند في إثبات أحكام الصفات ، عند ظهور الإتقان في الكائنات ، وكذا في إثبات الصفات ، عند ثبوت أحكامها ، إلى غير الضرورة والبديهة . ولا يخفى ما فيه من التحكم وسمج الدعوى ، ومع ذلك فقد لا يسلم من المعارضة بنقيضه . وهو مما يضعف التمسك به جدا . وقولهم : إنه لو لم يكن متصفا بهذه الصفات لكان متصفا بما قابلها ، وهو يتعالى ويتقدس عن أن يتصف بما يوجب في ذاته نقصا . فالكشف عن زيف هذا الكلام إنما يتحقق ببيان حقيقة المتقابلين ، وبيان أقسامها ؛ أما المتقابلان : فهما ما لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة . وهذا إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى . فإن كان في المعنى فإما أن يكون بين وجود وعدم ، أو بين وجودين ؛ إذ الأعدام المحضة لا تقابل بينها . فإن كان القسم الأول [ فهو ] تقابل السلب والإيجاب وذلك كقولنا الإنسان فرس ، الإنسان ليس بفرس وهو مما يستحيل اجتماع طرفيه في الصدق أو الكذب . وإن كان من القسم الثاني ، فإما أن لا يعقل كل واحد منهما إلا مع تعقل الآخر أوليس : فإن كان الأول فيسمى تقابل المتضايفين ، وذلك كما في الأبوة والبنوة ونحوهما . ومن خواص هذا التقابل ارتباط كل واحد من الطرفين بالآخر في الفهم ، وإن كان الثاني فيسمى تقابل الضدين ، وذلك كالتقابل الواقع بين السواد والبياض ونحوه . ومن خواص هذا التقابل جواز انتقال طرفيه بالحركة إلى واسطة تكون بينهما . وأما إن كان من القسم الثالث فيسمى تقابل العدم والملكة ، والمراد بالملكة هاهنا كل قوة على شيء ما مستحقة لما قامت به إما لذاته أو لذاتي له . وذلك كما في قوة السمع والبصر ونحوه للحيوان ، والمراد بالعدم هو رفع هذه القوة على وجه لا تعود ، وسواء كان في وقت إمكان القوى عليه أو قبله ، وذلك كما في العمى والطرش