سيف الدين الآمدي

38

غاية المرام في علم الكلام

وأما القول بأن الأنواع تتميز بالفصول ، وتمييز الفصول لا يكون بالفصول ، فنقول : إذا وقع الافتراق بالفصول ، فإما أن يقال هو نفس الأحوال ، أو الأحوال زائدة عليها : فإن قيل إنها نفس الأحوال التي بها يكون تميز الأشياء بعضها عن بعض فهو محال ، إذ الفصول داخلة في الحقائق ، أي لا تعقل حقائق الأنواع إلا بتعقلها أولا . وما لا يعقل الشيء إلا بتعقله أو لا فلا يكون صفة زائدة على الحقيقة على ما قررناه ، ومع كونه محالا فلم يتوصلوا إلى المطلوب إلا بتعيينه وهو ممتنع . وإن قيل إن الأحوال غير الفصول وإنها زائدة عليها فلا محالة أنه قد حصل التمييز بين [ الأشياء ] بالفصول لا بالأحوال . وأما ما ذكروه في معرض الإلزام آخرا فإنما يلزم القائل من نفاة الأحوال : إن التماثل بين الذوات ليس إلا في مجرد الأسماء فقط ، أما على رأينا فلا . وبهذا يندفع قولهم إن إنكار الأحوال يفضي إلى حسم باب القول بالحد والبرهان . وإما ما ذكروه من شبهة المتحرك والحركة وقولهم : إنا نعلم وجود الذات ثم نعلم كونها متحركة أو عالمة أو قادرة إلى غير ذلك فهو ، وإن كان صحيحا ، فالقول بأن علمنا بكون الذات متحركة أو عالمة غير قيام الحركة بها . وغير قيام العلم والقدرة بها ، هو موضع الخيال وحز الإشكال . بل ليس كون الشيء متحركا يزيد على قيام الحركة به ، ولا كونه عالما يزيد على قيام العلم به ، وكذلك في سائر أحوال الصفات . فإذا ما ذكروه ليس إلا مجرد استرسال بدعوى ما وقع الخلاف فيه . وهو غير معقول . وإذا تحقق ما ذكرناه ، وتقرر ما مهدناه ، علم منه القول بنفي الأحوال ، إلا على ما أشرنا إليه من الاحتمال . ولقد كثرت طرق المتكلمين هاهنا في طرفي النفي والإثبات لكن آثرنا الإعراض عنها شحا على الزمان من التضييع فيما لا يتحقق به كبير غرض . واللّه الموفق للصواب