سيف الدين الآمدي

24

غاية المرام في علم الكلام

نفسه الجزم بذلك أصلا ، وكل ما ليس على هذه القضية من العلوم فليس ببديهي . وإن اكتفي في ذلك بمجرد الدعوى فقد لا تؤمن المعارضة بمثله في طرف النقيض ، وليس عنه محيص « 1 » .

--> ( 1 ) أما على رأي الفلسفي : فلأنهم قالوا : لو فرضنا عللا ، ومعلولات لا نهاية لها ، فلنا أن نفرض الوقوف على الواحد منها ؛ فلو كان ما قبله فلا نهاية له ، فلو فرضنا زيادة متناهية على الجملة المفروضة ، ولتكن الزيادة عشرة مثلا . فالجملة الأولى : إما أن تكون مساوية لنفسها - مع فرض الزيادة المتناهية عليها - أو أزيد ، أو أنقص . القول بالمساواة ، والزيادة محال ؛ إذ الشيء لا يكون مع غيره ، كهو لا مع غيره ، ولا أزيد : فإن كانت الجملة الأولى ناقصة بالنظر إلى الجملة الثانية : فمن المعلوم أن التفاوت بينهما ؛ إنما هو بأمر متناه . وعند ذلك : فالزيادة لا بدّ وأن تكون لها نسبة إلى الباقي بجهة من جهات النسب على نحو زيادة المتناهي ، على المتناهي ، ومحال أن يحصل بين ما ليسا بمتناهيين النسبة الواقعة بين المتناهيين . وأيضا : فإنه إذا كانت إحدى الجملتين أزيد من الأخرى بأمر متناه ؛ فلنطبق بين الطرفين الأخيرين بأن نأخذ من الطرف الأخير من إحدى الجملتين عددا مفروضا ، ومن الأخرى مثله ، وهلم جرا . فإما أن يتسلسل الأمر إلى غير النهاية ؛ فيلزم منه مساواة الأنقص للأزيد في كلا طرفيه ؛ وهو محال . وإن قصرت الجملة الناقصة في الطرف الذي لا نهاية له ؛ فقد تناهت . والزائدة إنما زادت على الناقصة بأمر متناه ، وكل ما زاد على المتناهي بأمر متناه ؛ فهو متناه . إلا أن هذا مما لا يستقيم على موجب عقائدهم ، وتحقيق قواعدهم . حيث أنهم قضوا بأن كل ما له الترتيب الوضعي : كالأبعاد ، والامتدادات ، أو الترتيب الطبيعي ، وآحاده موجودة معا : كالعلل ، والمعلولات ؛ فالقول بعدم النهاية فيه ؛ مستحيل . وأما ما سوى ذلك ؛ فالقول بعدم النهاية فيه ؛ غير مستحيل . وسواء كانت آحاده موجودة معا : كالنفوس بعد مفارقة الأبدان ، أو هي على التعاقب والتجدد : كالأزمنة ، والحركات الدورية ؛ فإن ما ذكروه وإن استمر لهم فيما قضوا عليه بالنهاية ؛ فهو لازم لهم فيما قضوا عليه بعدم النهاية . وعند ذلك : فلا بد من بطلان أحد الأمرين : إما الدليل : إن كان اعتقاد عدم النهاية حقا . وإما اعتقاد عدم النهاية : إن كان الدليل حقا ؛ لاستحالة الجمع . وليس لما ذكره الفيلسوف المتأخر من جهة الفرق بين العلل والمعلولات ، والأزمنة والحركات ، قدح في الجمع . وهو قوله : إن ما لا ترتب له وضعا ، ولا آحاده موجودة معا - وإن كان ترتبه طبيعيا - فلا يمكن فرض جواز قبوله للانطباق ،