سيف الدين الآمدي

23

غاية المرام في علم الكلام

المطلوب ، فإن كون الشيء ضروري الوجود أهم من الضرورة الثابتة لذاته ، ومع التسليم بكونها ممكنة فما ذكرتموه ، في أن لا نهاية ، غير مستقيم : أما ما ذكرتموه في طرف التعاقب ، فغير مطرد ، وذلك أنا لو فرضنا حادثا بعد العدم فإما أن يقال : إن له قبلا كان فيه معدوما أوليس : لا جائز أن يقال أنه لم يكن له قبل كان فيه معدوما ، وإلا لما كان له أول وهو خلاف الفرض . وإن كان له قبل هو فيه معدوم فذلك القبل إما موجود أو معدوم : لا جائز أن يكون معدوما وإلا لما كان له قبل ، إذ لا فرق بين قولنا : إنه لا قبل له ، وبين قولنا : إن قبله معدوم ، فبقي أن يكون موجودا ، ثم ما قبل يفرض إلا وهو مسبوق بقبل آخر إلى ما لا نهاية له على هذا النحو ، فإذا قد ثبت وجودات لا نهاية لأعدادها وإن كانت متعاقبة ، وكل واحد مسبوق بعدمه . وبه تبين كذب ما ذكرتموه من القياس . وأما معتمد القائلين بالإيجاد بالعلية فطريق الرد عليهم ما هو طريق لكم في الرد عليهم كما يأتي فيما بعد . وأما ما ذكرتموه في طرف المعية ووجوب الانتهاء فيه إلى موجود وجوده لذاته . فذلك الموجود لا يخلو : إما أن يكون ممكنا أوليس بممكن ، فإن كان ممكنا فهو من الجملة وليس بواجب ، وإن لم يكن ممكنا فما ليس بممكن ليس بواجب . وبهذا يندفع ما ذكرتموه في جانب الانتهاء إلى موجود هو مبدأ الموجودات أيضا . والجواب : أما طريق إفحام المنكر لكون النظر مدركا أن يقال : نفي إفضاء النظر إلى العلم إما معلوم أو غير معلوم : فإن كان معلوما فإما أن يكون حصوله متوقفا على مدرك بعلم به أوليس : فإن كان متوقفا فالمدرك إذا إما الحواس أو النظر : لا جائز أن يكون مدركه الحواس ؛ إذ هو غير محسوس ، فتعين أن يكون مدركه النظر . وإن لم يكن متوقفا على مدرك فهو بديهي ، لو كان بديهيا لما وقع الاختصاص به لطائفة دون طائفة ، كيف وأنه لو خل الإنسان ودواعي نفسه في مبدأ نشوئه ، مع قطع النظر عن النظر ، لم يجد في