سيف الدين الآمدي

109

غاية المرام في علم الكلام

فإن قيل : عاقل ما لا تماري نفسه في انقسام الكلام إلى أمر ونهي وغيره ، وأن ما انقسم إليه حقائق مختلفة . وأمور متنافرة متمايزة . وأنها من أخص أوصاف الكلام ، لا أن الاختلاف راجع إلى نفس العبارات ، والاعتبارات الخارجة ، فإنا لو قطعنا النظر عن الاعتبارات الخارجة ، والمتعلقات ، ورفعناها وهما ، لم يخرج عن كونه منقسما . ومع هذا التحقيق كيف يسوغ القول بالاتحاد ؟ ثم إن ما أخبر عنه من القصص الماضية والأمور السالفة مختلفة متمايزة ، فإن ما جرى لكل نبي من الأنبياء غير ما جري لغيره من الأنبياء . وكذلك المأمورات والمنهيات المكلف بها مختلفة متغايرة ، فكيف يكون نفس الخبر عما جرى لآدم وإبراهيم هو نفس الخبر عما جرى لموسى أو عيسى ؟ أم كيف يكون نفس الأمر بالحج هو نفس الأمر بالصلاة ؟ وأن ما توجه لزيد هو نفس ما توجه لعمرو ؟ وكيف هذا التداخل ؟ أم كيف يجعل الخبر أو ما سمي خبرا هو عين الأمر ، أو ما سمي أمرا هو عين ما سمي خبرا ؟ مع أن الأمر هو الطلب والاقتضاء ، والخبر لا يشتمل على شيء من ذلك . وما اشتمل عليه الخبر فالأمر أيضا غير مشتمل عليه . فهل هذا إلا محض تحكم غير معقول ؟ ! وما ليس بمعقول لا سبيل إلى إثباته . فلم يبق إلا أنه أنواع متمايزة الخواص مختلفة الذوات ، مشتركة في الجملة والكلام كالجنس لها . والتمثيل بالمبدأ الأول مما لا إليه سبيل ؛ فإن اتحاد الذات مع اختلاف أسمائها باعتبار أمور إضافية أو سلبية ، مما لا امتناع فيه . أما إثبات صفات متضادة ، وخواص متنافرة ، وأقسام متعددة ، لذات واحدة لا تعدد فيها ولا تغاير ، فمن أمحل المحالات ، وأشنع المقالات ، ولا سبيل إليه . قلنا : قد بينا ، فيما سلف ، أن الكلام قضية واحدة ، ومعلوم واحد قائم بالنفس ، وأن اختلاف العبارات والتعبيرات عنه ، إنما هو بسبب اختلاف المتعلقات والنسب والإضافات . كما حققناه . فما يقع به التضاد أو الاختلاف أو التعدد فليس إلا في المتعلقات والتعلقات لا في نفس المتعلق ، ولا