سيف الدين الآمدي
110
غاية المرام في علم الكلام
أن ما وقع به الاختلاف أو التضاد بين الأمر والنهي وغيره من أخص صفات الكلام ، بل كل ذلك خارج عنه . وعلى هذا نقول : لو قطع النظر عن المتعلقات الخارجة ، ورفعت عن الوهم ، فإنه لا سبيل إلى القول بهذه العبارات والتعبيرات أصلا ، ولا يلزم من ذلك رفع فهم الكلام وأن تزول حقيقته عن الوجود أيضا . وقولهم : كيف يجوز أن يكون المخبر عنه متعددا مختلفا والخبر عنه واحدا ؟ أم كيف يكون المأمور به مختلفا والأمر به واحدا ؟ وكيف تكون حقيقة واحدة هي أمر ونهي وخبر مع أن هذه الأمور مختلفة ؟ قلنا : هل هذا إلا محض استبعاد ، وخروج عن سبيل الرشاد ؟ فإنه إذا عرف أن اختلاف العبارات والتعبيرات ، قد يكون باعتبار اختلاف التعلقات ، والنسب إلى الأمور الخارجة ، والإطلاقات ، لم يمتنع أن يكون المتعلق له حقيقة واحد ، ووجود واحد ، وله متعلقات مختلفة ، ويعبر عنه ، بسبب تعلقه بكل واحد منها ، بعبارة مخصوصة ولقب مخصوص ، وإن كان هو في نفسه واحدا . وذلك على نحو ما ذكره الفيلسوف في المبدأ الأول ، وعلى نحو ما ينعكس على الأرض من الألوان المختلفة من زجاجات مختلفة الألوان بسبب شروق الشمس عليها ومقابلتها لها ؛ فإن التأثيرات مختلفة بسبب المتعلقات لا غير ، وإن كان المتعلق في نفسه واحدا . وقد يعبر عنها ، بسبب هذا التعلق واختلاف المتعلقات والتأثيرات ، بأسماء مختلفة حتى يقال : إنها مسودة ومصفرة وغير ذلك ، وإن كانت الشمس في نفسها واحدة . فكذلك ينبغي أن يفهم مثله في الكلام فإن اختلاف هذه التعبيرات عنه ليس لتعدد في نفسه ، بل لتعدد المتعلقات واختلاف الإضافات ، وذلك ليس محالا ، نعم لو عبر عنه بالنهي من جهة ما عبر عنه بالأمر ، ومن جهة ما عبر عنه بالخبر ، أو بالعكس كان ذلك متناقضا . ومن حقق ما مهدناه زال عنه الخيال واندفع عنه الإشكال . كيف وأن