سيف الدين الآمدي
108
غاية المرام في علم الكلام
ما سلف ، فبقي أن تكون متعددة لا محالة . وسواء كان تعددها تعدد الأشخاص أو الأجناس ، فإن ذلك يوجب نقض ما ذكرتموه وإبطال ما سلكتموه . ولربما استندوا في بيان التعدد إلى ما أوردوه في نفي الكلام عن الذات من الإجماعات والظواهر من السنن والآيات ، الدالة على كون القرآن مؤلفا من حروف وأصوات ، وأنه مرتب من سور وآيات ، ومجموع من كلمات . والجواب أنا نقول : تعدد أقسام الكلام واختلاف أسمائه من الأمر والنهي وغير ذلك ليس هو له باعتبار تعدد في نفسه ، أو اختلاف صفات في ذاته أو لذاته ، بل هو النظر إلى نفسه - من حيث هو كلام - واحد . ليس له إلا باعتبار إضافات متعددة وتعلقات متكاثرة لا توجب للمتعلق في ذاته صفة زائدة ، ولا تعددا ، كما أسلفناه في الطرف الأول من التحقيق . وهو على نحو قول الفيلسوف في « المبدئ الأول » حيث قضى بوحدته وإن تكثرت أسماؤه ؛ بسبب سلوب وإضافات وأمور لا توجب صفات زائدة على الذات . هذا كله إن سلكنا في التكثر مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري . وإلا إن سلكنا مذهب عبد اللّه بن سعيد في أن الأمر والنهي وغير ذلك لا يكون إلا عند تحقق المتعلقات ، وأن الكلام خارج عنها . أو ما نقل عن بعض الأصحاب من أنه أثبت للّه - تعالى - من الكلام خمس كلمات هي خمس صفات ، وهي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء ، فالإشكال يكون مندفعا . وعلى ما ذكرناه من التحقيق يتبين أن من قال من الأصحاب القائلين بنفي التكثر : إن الأوامر والنواهي وغيرها صفات خارجة عن الكلام ، ولم يرد به ما أشرنا إليه ، فقد أخطأ . وأما ما اعتمدوه من الظواهر الظنية والأدلة السمعية فقد سبق وجه الانفصال عنها فلا حاجة إلى التطويل بإعادته .