حسن حسن زاده آملى

457

عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون

وباطنا إلى أمر غيرها ؛ وكذلك التعلّم فإنه أيضا انتقال من معلوم إلى مجهول ليعلم ، لكن التذكر هو طلب أن يحصل في المستقبل مثل ما كان حاصلا في الماضي ، والتعلم ليس إلا أن يحصل في المستقبل شيء آخر . وأيضا فانّ التذكر ليس يصار إلى الغرض فيه من أشياء توجب ضرورة حصول الغرض ، بل على سبيل علامات إذا حصل أقربها من الغرض انتقلت النفس إلى الغرض في مثل تلك الحال ، ولو كانت الحال غير ذلك لم يجب وإن أخطر صورة الأقرب أو معناه أن تنتقل ، كمن يخطر بباله كتاب بعينه فتذكر منه معلمه الذي قرء عليه ذلك الكتاب ، وليس يجب من إخطار صورة ذلك الكتاب بالبال واخطار معناه أن يخطر ذلك المعلم بالبال لكل إنسان ؛ وأما العلم فإنّ السبيل الموصلة إليه ضرورية النقل إليه وهو القياس والحدّ . ومن الناس من يكون التعلم أسهل عليه من التذكر لأنه يكون مطبوعا على ضروريات النقل ؛ ومن الناس من يكون بالعكس . ومن الناس من يكون شديد الذكر ضعيف التذكّر ، وذلك لأنه يكون يابس المزاج فيحفظ ما يأخذه ولا يكون حرك النفس مطاوع المادة لأفعال التخيل واستعراضاته ؛ ومن الناس من يكون بالعكس . وأسرع الناس تذكرا أفطنهم للإشارات فان الإشارات تفعل نقلا عن المحسوسات إلى معان غيرها فمن كان فطنا في الإشارات كان سريع التذكر . ومن الناس من يكون قوي الفهم ، ولكن يكون ضعيف الذكر . ويكاد أن يكون الأمر في الفهم والذكر بالتضادّ فان الفهم يحتاج إلى عنصر للصور الباطنة شديد الانطباع ، وانما يعين عليه الرطوبة . وأما الذكر فيحتاج إلى مادة يعسر انفساخ ما يتصور فيها ويتمثل ، وذلك يحتاج إلى مادة يابسة فلذلك يصعب اجتماع الأمرين فأكثر من يكون حافظا هو الذي لا تكثر حركاته ولا تتفنّن هممه . ومن كان كثير الهمم كثير الحركات لم يذكر جيدا فيحتاج الذكر مع المادة المناسبة إلى أن تكون النفس مقبلة على الصورة وعلى المعنى المستثبتين إقبالا بالحرص غير مأخوذة عنهما باشتغال آخر . ولذلك كان الصبيان مع رطوبتهم يحفظون جدّا لأن نفوسهم غير مشغولة بما تشتغل به نفوس البالغين فلا تذهل عمّا هي مقبلة عليه بغيره . وأما الشبّان فلحراراتهم واضطراب حركاتهم مع يبس مزاجهم لا يكون ذكرهم كذكر الصبيان والمترعرعين . والمشايخ أيضا يعرض لهم من الرطوبة الغالبة أن لا يذكروا ما يشاهدون .