حسن حسن زاده آملى
364
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
يسند إدراك الجزئيات إلى النفس كقوله - تعالى - : « يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً » « 1 » . وهذا سخيف جدّا فانّه بمنزلة أن يقال : زيد الأكمه الأصم يرى ويسمع لأنّ خادمه سميع بصير . وثانيها ، ما قال بعض المحقّقين من أنّ النفس تدرك الكليات بذاتها ، والنفس أيضا تدرك الجزئيات بآلاتها . وهذا لا يعقل إن كانت القوى مباينة للنفس مباينة عزلة . وقد يوجّه بأنها تدرك الجزئي على وجه كلّي كنوع منحصر في شخص فان الباصرة إذا أبصرت صورة شخص أدركت النفس أن في الوجود شخصا موصوفا بلون كذا وشكل كذا ووضع كذا إلى غير ذلك من المخصّصات ، كل على وجه كلّي . وبالجملة إحساس القوى للجزئي سبب لتنبّه النفس بكلية المخصص ، وأنت عرفت أن ضمّ كلي بكلّي لا يفيد الجزئية ولو بألف مخصّص . وثالثها ، أن النفس لها مراتب وشؤون كما قال - تعالى - : « وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً » ، فمرتبة منها تدرك الكليات ؛ ومرتبة منها تدرك الصور الجزئية ؛ والقوى والآلات وجوه ودرجات والنفس أصل محفوظ فيها وهي مقهورات فانيات في النفس ، أو ممسومات بها يظهر منها آثارها ، ففعل القوى بالحقيقة فعل النفس بلا شائبة مجاز كما يحكم ذو الوجدان الصحيح أنّه كما يسند إدراك الكلّيات إلى نفسه يسند إدراك الجزئيات إلى نفسه بلا تفاوت » « 2 » . وأقول : القول الثالث المذكور هو رأى ذوي الحكمة المتعالية أثبتوه بنور البرهان الصحيح وشهود العرفان الصريح ، كما تجده في عدة مواضع من الأسفار مبرهنا بالبراهين الرصينة ، منها في الفصل التاسع من الباب الثالث من كتاب النفس المترجم بأن لكل بدن نفسا واحدة ، وأن القوى تنشأ منها وهي تفاصيل ذاتها وشروح هويّتها ، حيث قال : « فالنفس الإنسانية لكونها جوهرا قدسيا من سنخ الملكوت ، فلها وحدة جمعيّة هي ظلّ الوحدة الإلهية ، وهي بذاتها قوة عاقلة إذا رجعت إلى موطنها الأصلي ، وهي متضمنة أيضا لقوّة حيوانيّة على مراتبها من حدّ التخيّل إلى حدّ الاحساس اللمسي وهو آخر مرتبة الحيوانية في السفالة ، وهي أيضا ذات قوة نباتيّة على مراتبها التي أدناها الغاذية وأعلاها المولّدة ، وهي أيضا ذات قوة محركة طبيعية قائمة بالبدن الخ » « 3 » . وأما القول الثاني المذكور فهو مختار المحققين من المشاء . والمراد من بعض المحققين
--> ( 1 ) . غافر : 36 . ( 2 ) . غرر الفرائد بتعليقات السبزواري ، ط الناصري ، ص 205 . ( 3 ) . الأسفار ، ط 1 ، ج 4 ، ص 32 .