الفيض الكاشاني

480

علم اليقين في أصول الدين

وتارة ينقشع الحجاب بلطف خفيّ من اللّه ، فيلمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب أسرار الملكوت في اليقظة ، فربّما يدوم ، وربّما يكون كالبرق الخاطف - ودوامه في غاية الندور - فلم يفارق الإلهام وحديث الملك الاكتساب في العلم ولا في محلّه ولا في سببه ، ولكن يفارقه في طريقة زوال الحجاب ، وجهته . ولم يفارق الوحي الإلهام والحديث في شيء من ذلك ، بل في شدّة الوضوح والنوريّة ومشاهدة الملك المفيد للعلم . والكلّ مشترك في أنّه بواسطة الملك الذي هو القلم ، كما قال - عزّ وجلّ - عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [ 96 / 4 ] . ولعلّ الإشارة إلى هذه المراتب الثلاث في قوله - سبحانه - : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [ 42 / 51 ] . قال بعض العارفين « 1 » : « إذا كان الحقّ هو المكلّم عبده في سرّه بارتفاع الوسائط ، فإنّ الفهم يستصحب كلامه ، فيكون عين الكلام منه عين الفهم منك ، لا يتأخّر عنه ، فإن تأخّر عنه فليس هو كلام اللّه ، ومن لم يجد هذا فليس عنده علم بكلام اللّه عباده ، فإذا كلّمه بالحجاب الصوري بلسان نبيّ أو من شاء اللّه من العالم فقد يصحبه الفهم ، وقد يتأخّر » .

--> ( 1 ) - ابن عربي : الفتوحات المكية ، الباب السادس والستون وثلاثمائة : 3 / 334 .