الفيض الكاشاني
265
علم اليقين في أصول الدين
كان جالسا بالكوفة بعد منصرفه من صفّين ، إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه « 1 » ، ثمّ قال : « يا أمير المؤمنين - أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام ، أبقضاء من اللّه وقدر » ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « أجل - يا شيخ - ما علوتم تلعة « 2 » ولا هبطتم بطن واد إلّا بقضاء من اللّه وقدر » . فقال له الشيخ : « عند اللّه أحتسب عنائي - يا أمير المؤمنين » . فقال له : « مه - يا شيخ - فو اللّه لقد عظّم اللّه لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم مقيمون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ، ولا إليه مضطرّين » . فقال له الشيخ : « وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرّين ، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا » ؟ فقال له : « وتظنّ أنّه كان قضاء حتما ، وقدرا لازما ؟ إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والأمر والنهي والزجر من اللّه ، وسقط معنى الوعد والوعيد ، فلم تكن لائمة للمذنب ، ولا محمدة للمحسن ؛ ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ، وكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب ؛ تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان ، وقدريّة هذه الامّة ومجوسها ؛ إنّ اللّه - تعالى - كلّف تخييرا ، ونهى تحذيرا ، وأعطى على القليل كثيرا ، ولم يعص مغلوبا ، ولم يطع
--> ( 1 ) - جثا يجثو : جلس على ركبتيه وأقام على أطراف أصابعه . ( 2 ) - التلعة : ما ارتفع من الأرض .