أحمد الشرفي القاسمي
55
عدة الأكياس في شرح معاني الأساس
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 1 » فدلت » : هذه الآية « أن لا استحقاق للعقاب » أي لا يستحق المكلفون العقاب « قبل ورود الشرع » . « والجواب واللّه الموفق أن » هذه « الآية لا تنافي ما ذهبنا إليه » من أن العقل يستقل بإدراك حسن عقاب المسئ ووجوبه قبل ورود الشرع « لأنّ المعنى » فيها « وما كنّا معذبين » أحدا من المكلفين « بعد استحقاقه العذاب بارتكاب القبائح العقلية » : أي التي أدركوا قبحها بعقولهم قبل أن تبلغهم الرسل وإن كانوا قد استحقوا العقاب بل لا بدّ من تأكيد الحجة عليهم بإرسال الرسل لقطع المعذرة كالتعزيز بنبي ثان وثالث « بدليل قوله تعالى » : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ « 2 » . « ذلك إن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم » ارتكبوه « وأهلها غافلون » أي حال غفلتهم عن السمع أي قبل أن تبلغهم الرسل « فأخبر اللّه تعالى أنهم قد ارتكبوا القبيح الذي هو الظلم وهم غافلون عن السمع حيث لم تبلغهم الرسل » وسمّى ما ارتكبوه من القبائح العقلية ظلما وهي لا تكون ظلما إلّا حيث كانوا قد أدركوا قبحها بعقولهم وأقدموا عليها اتّباعا للهوى ، وتمردا عن الانقياد لحكم العقل . « فقال تعالى » وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا : يزيح عللهم ويهدم شبههم « لئلّا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل » « بأن يقولوا » أي مرتكبو القبائح العقلية « حصل » لنا « العلم بالاستحقاق » أي استحقاقنا العقاب « ولكن لم نجزم بالوقوع » أي بوقوعه لتجويزهم أن يخفى على اللّه سبحانه « لعدم معرفتهم لربهم » لإهمالهم طرق النظر في معرفة اللّه سبحانه ، وذلك « كمن يقتل نفسا عدوانا على غفلة فإنه يعلم أنّ القصاص مستحق عليه » قطعا « ولا يجزم بوقوعه لتجويز أن لا يطلع عليه أحد » فهو يجوّز لأجل
--> ( 1 ) الإسراء ( 15 ) . ( 2 ) الأنعام ( 130 ) .