أحمد الشرفي القاسمي

56

عدة الأكياس في شرح معاني الأساس

ذلك أن لا يقتل قصاصا مع علمه أنه يستحق القتل قصاصا « فيقولون لو أنذرنا منذر لأصلحنا » أي لتداركنا ما فرط منّا من القبيح بالإصلاح « بدليل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل نزول القرآن لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى « 1 » فأخبر تعالى أن إرسال الرسل قطع لمعاذيرهم وإبطال لشبههم وتقرير لحجة العقل وتأكيد لها « ونظيره في الشرعيات » أي نظير الإعذار بإرسال الرسل في العقليات بعد استحقاق العقوبة « عدم جواز قتل المرتد حتى يدعى إلى التوبة » والرجوع إلى الإسلام ، فإن تاب لثلاثة أيّام قبلت منه التوبة وإلّا قتل . فإن قيل : وهل يجوز انفراد التكليف العقلي عن السمعي فيكون المكلّف مخاطبا بالعقليات دون الشرائع ؟ فالجواب : قالت المعتزلة : يصح ذلك فيجوز أن يكون في المكلفين من الأمم الماضية من لم يخاطب بشريعة قط ، وكذا في هذه الأمّة بأن يكمل عقله قبل البلوغ الشرعي . وقيل : أمّا في هذه الأمة فلا يقع ذلك وإن كان يصح إذ قد جعل اللّه تعالى البلوغ علامة للتكاليف كلها فيقطع بأن كمال العقل إنما يحصل عنده فقط لا قبله للإجماع ، على أن أولاد عبدة الأوثان حكمهم قبل البلوغ حكم آبائهم مطلقا ، فلو جوزنا إكمال عقولهم قبل البلوغ لجاز كونهم حينئذ مسلمين . قلت : وهذا غير واضح لأنّ البلوغ الشرعي المراد به تمام العقل والقدرة على الشرعيات ، فمتى قدر على الشرعيات مع تمام عقله صار بالغا مكلفا . يدل على ذلك : ما رواه في مجموع زيد بن علي عن علي عليهم السلام : ( إذا بلغ الغلام اثنتي عشرة سنة جرى عليه وله فيما بينه وبين اللّه تعالى فإذا طلعت العانة وجبت عليه الحدود ) .

--> ( 1 ) طه ( 134 ) .