عبد الرزاق اللاهيجي
94
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
محفوف بوجوبين أحدهما سابق على وجوده أو عدمه وهو الوجوب المذكور اعني الّذي بينا ان الممكن ما لم يجب وجوده أو عدمه عن العلة لم يقع وثانيهما وجوب لاحق بعد حصول الوجود أو العدم بالفعل وهو الّذي يقال له الوجوب بشرط المحمول ولا يمكن ان يخلو عن هذا الوجوب قضية فعلية فان كل شيء حمل عليه شيء آخر فهو واجب بثبوت هذا المحمول بشرط هذا المحمول بالضرورة فموضوع هذين الوجوبين ليس واحدا بالحقيقة بل موضوع السابق هو الماهية غير مأخوذة مع الوجود والعدم وموضوع اللاحق هي مأخوذة مع أحدهما فهما متغايران تغاير البسيط والمركب فان قيل كيف يتصوّر سبق وجوب الممكن على وجوده وهو قبل وجوده معدوم فيكون ممتنعا بالغير وبين الامتناع بالغير والوجوب بالغير منع الجمع كما تبين أجيب بان سبق الوجوب على الوجود سبق بالذات لا بالزمان فليس الوجوب الّا في زمان الوجود والامتناع الّا في زمان العدم فلا اجتماع فان قيل سبق الوجوب على الوجود بالذات غير متصور لأنه امّا ان يراد به احتياج الوجود إليه في الخارج فهو باطل لأنهما ليسا متميزين في الخارج ليتصور توقّف أحدهما على الآخر ولو فرض فالوجوب يتوقف على الموجود لكونه صفة له متأخرة عنه أو في الذهن وهو أيضا باطل لظهور انه لا يتوقف تعقل الوجود على تعقل الوجوب بل ربما يكون بالعكس أجيب بان المراد السبق بمعنى الاحتياج في اعتبار العقل عند ملاحظة هذه المعاني واعتبار الترتيب فيما بينها فان العقل يحكم قطعا بأنه ما لم يتحقق علة الممكن لم يجب هو وما لم يجب لم يوجد فان قيل حكم العقل بهذا الترتيب باطل لأنه لا وجوب بالنسبة إلى العلة الناقصة بل التامة والوجوب إذا كان مما يتوقف عليه الوجود كان جزء من العلة التامة فيكون متقدما عليها لا متأخرا أجيب بان جزء العلة التامة ما يتوقف عليه المعلول في الخارج لا في اعتبار العقل ولو سلّم فالوجوب يعتبر بالنسبة إلى علة ناقصة هي جميع ما يتوقف عليه الوجود سوى الوجوب فان قيل ما ذكرتم من كون وجود الممكن مسبوقا بالوجوب لا يصح فيما يصدر عن الفاعل المختار لان الوجوب ينافي الاختيار وحينئذ ينتقض دليلكم أجيب بان الاختيار إذا كان من تمام العلة لم يتحقق الوجوب الا بعد تحقق الاختيار وكون المعلول واجبا لا ينافي كونه مختارا بل يحققه والامكان لازم والا يجب الماهية أو يمتنع اى الامكان لازم لماهية الممكن غير منفك عنها والّا لزم صيرورة الماهية واجبة بالذات أو ممتنعة بالذات لامتناع الخلو بين الثلاثة فيلزم الانقلاب بخلاف الوجوب والامتناع الغيريّين فإنهما منفكان لا محالة بزوال الغير وهذه مسئلة على حدة أوردها في خلال مسئلة وجوب الممكن لئلا يتوهم ان عند عروض الوجوب يرتفع الامكان وقد يستدل على ذلك بان الامكان لو لم يكن لازما الماهية الممكن بل يكون حادثا بعد ما لم يكن فإن كان حدوثه لها لامر يقتضيه فيكون الامكان ممكنا في نفسه لحدوثه واستناده إلى الغير فيكون للامكان امكان ويتسلسل وان لم يكن حدوثه لامر يقتضيه بل جاز حدوثه لا لعلة يلزم انسداد باب اثبات الصانع وأيضا ان توقف حدوثه للماهية على حادث آخر يتسلسل والّا فاختصاص الحدوث بوقت دون غيره ترجح بلا مرجح قال صاحب المواقف والحق ان الدعوى اظهر من هذين الدليلين وربما يشكل على لزوم الامكان لماهية الممكن بان حدوث العالم غير ممكن في الأزل لدلائل الحدوث ثم يصير ممكنا فيما لا يزال فثبت حدوث الامكان بعد ما لم يكن وأيضا يحدث امتناع المقدورية للممكن بعد الوجود لامتناع تحصيل الحاصل والجواب عن الأول ان أزلية