عبد الرزاق اللاهيجي
54
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
فيجب ان نذكر ما لعله يزول به ذلك الخفاء فنقول لما بحثنا عن ماهية الشيء الّذي يعبّر عنه الجمهور بالخير وعن ماهية الشيء الّذي يعبّرون عنه بالشر وفحصنا عما دخل فيهما بالذات وعما نسب إليهما بالعرض وجدنا الخير بالذات هو الوجود والشر بالذات هو العدم بيان ذلك على ما قاله المصنف في شرح هو ان الشر يطلق على أمور عدمية من حيث هي غير مؤثرة كفقدان كل شيء ما من شانه ان يكون له مثل الموت والفقر والجهل وعلى أمور وجودية كذلك كوجود ما يقتضي منع المتوجه إلى كمال عن الوصول إليه مثل البرد المفسد للثمار والسحاب الّذي يمنع القصار عن فعله وكالافعال المذمومة مثل الظلم والزنا وكالأخلاق الرذيلة مثل الجبن والنخل وكالآلام والغموم وغير ذلك وإذا تامّلنا في ذلك وجدنا البرد في نفسه من حيث هو كيفية ما أو بالقياس إلى علته * الموجبة له ليس بشرّ بل هو كمال من الكمالات انما هو شر بالقياس إلى الثمار لافساده امزجتها فالشر بالذات هو فقدان الثمار كمالاتها اللّائقة بها والبرد انما صار شرّا بالعرض لاقتضائه ذلك وكذلك السحاب وأيضا القتل ليس بشرّ من حيث إن القاتل كان قادرا عليه ولا من حيث إن الآلة كانت قاطعة ولا من حيث إن عضو المقتول كان قابلا للقطع بل من حيث إنه أزال الحياة عن ذلك الشخص وهو قيد عدمىّ وباقي القيود الوجودية خيرات وأيضا الظلم والزنا ليسا من حيث هما أمران يصدران عن قوتين كالغضبيّة والشهوية مثلا بشر بل هما من تلك الحيثية كما لان لتينك القوتين وانما يكونان شرا بالقياس إلى المظلوم وإلى السياسة المدنيّة وإلى النفس الناطقة الضعيفة عن ضبط قوتى الحيوانيتين فالشر بالذات هو فقدان أحد تلك الأشياء كماله وانما اطلق على أسبابه بالعرض لتأديتها إلى ذلك وكذلك القول في الاخلاق التي هي مباديها وكذلك الآلام فإنها ليست بشرور من حيث هي ادراكات لأمور ولا من حيث وجود تلك الأمور في أنفسها أو صدورها عن عللها انما هي شرور بالقياس إلى المتألم الفاقد لاتصال عضو من شانه ان يتصل فاذن قد حصل من ذلك ان الشر في ماهية عدم وجود أو عدم كمال لموجود من حيث ذلك العدم غير لا يقال به أو غير مؤثر عنده وان الموجودات ليست من حيث هي موجودات بشرور انما هي شرور بالقياس إلى الأشياء العادمة لكمالاتها لا لذواتها بل لكونها مؤدّية إلى تلك الاعدام فظهر من التفتيش في هذه الأمثلة ان الوجود خير محض وانّ الشر ليس الا العدم وان ايرادها ليس لاثبات هذه المقدمة وتصحيحها بل للتنبيه عليها وتوضيحها فالمناقشة في أمثال ذلك ليست بقادحة في شيء المسألة الثامنة في نفى المضادة والمماثلة عن الوجود منع شيء من الأشياء ليبقى مجرّد مخالفته بدون المنافاة مع جميع المعقولات وإلى ذلك أشار المصنف بقوله ولا ضدّ له ولا مثل فتحققت مخالفته مع المعقولات ولا ينافيها بيان ذلك ان الضد وكذا المثل وكذا المخالف يقال لما له ماهية ويكون مشاركا لغيره في الموضوع ولا يجتمعان فيه أو في تمام الماهية أو غير مشارك بشيء من الوجهين والوجود ليس بماهية أصلا بل هو تحقق الماهية وكونها فإذا اعتبر التحقق من حيث إنه شيء من الأشياء ومفهوم من المفهومات لا يكون بذلك الاعتبار تحقق ماهية بل يكون هو ماهية فالوجود من حيث هو وجود ليس بماهية ليتصوّر كونها ضدّ أو مثلا أو مخالفا لغيرها ومن حيث هو مفهوم من المفهومات يتصور فيه ذلك لكنه ليس بضدّ أو مثل لشيء من المعقولات امّا انه ليس بضدّ فلان الوجود معتبر في الضد والوجود ليس له وجود واما انه ليس بمثل فلان الوجود