عبد الرزاق اللاهيجي

55

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

قائم بمحل لا محالة فما هو مثل له يكون في محل أيضا إذ حكم الأمثال واحد بالضرورة وكل محل موجود فيلزم اجتماع المثلين في محل ما هو مماثل للوجود بل مخالف لها إذ لا مانع من المخالفة من هذه الحيثية وانما تثبت المخالفة من نفى المضادة والمماثلة لان النسبة بين الاثنين منحصرة في هذه الثلاثة فإذا انتفت الاثنتان بقيت واحدة منها ولما كانت المنافاة اعمّ من المضادة ومن نفى الضد لا يلزم نفى المنافاة ومن اثبات المخالفة يتوهم ثبوت المنافاة لكونهما مما يجتمعان معا وهو ليس بواقع صرّح بنفي المنافاة أيضا بقوله ولا ينافيها فان الوجود المطلق الّذي الكلام فيه يعرض لكل شيء حتى لنفسه من حيث إنه معقول وحتى لنقيضه اعني العدم من حيث كذلك والمنافى لا يمكن ان يعرض لما هو مناف له المسألة التاسعة في ان المعدوم ليس بشيء وان الشيئية مساوقة للوجود بمعنى ان كل موجود شيء وبالعكس كما ذهب إليه الحكماء وأكثر المتكلمين ولفظ المساوقة يستعمل فيما يعم الاتحاد في المفهوم فيكون اللفظان مترادفين والمساواة فيكونان متباينين ولهم تردّد في ترادف لفظي الوجود والشيئية بل ربما يدعى نفيه بناء على أن قولنا السّواد موجود يفيد فايدة معتدّا بها بخلاف قولنا السواد شيء وأيضا يستعمل أحدهما فيما لا يستعمل فيه الآخر إذ يقال وجود الماهية من الفاعل ولا يقال شيئيّتها من الفاعل ويقال هي واجبة الوجود وممكنة الوجود ولا يقال هي واجبة الشيئية وممكنة الشيئية وخالف في هذه المسألة أكثر المعتزلة وذهبوا إلى أن المعدوم الممكن شيء اى ثابت متقرر في الخارج منفكا عن صفة الوجود فعندهم الثبوت والتقرر أعم من الوجود ومساوق للشيئية بخلاف المعدوم الممتنع فإنه عندهم منفى وليس بثابت فالنفى عندهم أخص من العدم ومقابل للثبوت قال الامام هذه المسألة اى القول بان المعدوم شيء متفرعة على القول بزيادة الوجود على الماهية فان القائل باتحادهما لا يمكنه القول بها وقيل يمكن ان يعكس فان من قال بها يجب عليه القول بزيادة الوجود قطعا فليتدبر ثم إن الحق ان الدعوى اعني امتناع كون الماهية متقررة في الخارج منفكة عن الوجود بديهية غير محتاجة إلى الاستدلال بعد ملاحظة ما عنى من لفظ الوجود فان بعد ملاحظة ان المراد من الوجود انما هو مجرّد تحقق الماهية وكونها لا امر زائد على ذلك لا مجال لتجويز ان يكون الماهية في الخارج بلا كون فيه ولو جوّزه مجوّز بعد تلك الملاحظة فقد كابر عقله وإلى هذا أشار المصنف بقوله ويساوق اى الوجود الشيئية فلا يتحقق اى الشيئية بدونه اى بدون الوجود والمنازع مكابر مقتضى عقله فان قيل مذهب المعتزلة ان التقرر على ضربين أحدهما تقرر الماهية في حدّ ذاتها ويسمّونه ثبوتا ومقابله نفيا وثانيهما تقرّرها بحيث يترتب عليها آثارها كاحراق النار وترطيب الماء ويسمّونه وجودا ومقابله عدما ويطلقون العدم على النفي أيضا والأول بإزاء ما يسمّيه الحكماء وجودا ذهنيا والثاني بإزاء ما يسمونه وجودا خارجيّا ويؤيده ما قيل إن المعتزلة انما وقعوا في اثبات المعدوم في الخارج لنفيهم الوجود الذهني فهم يوافقون الحكماء في ان ثبوت المهيات وتحققها على وجهين لكنهم ينسبون الوجهين إلى الخارج ويختصّون الثبوت الّذي لا يصدر عنها بحسبه آثارها بالممكنات ولا يسمّونه وجودا فان أردتم انّ تجويز كون ماهية المعدوم متقررة في الخارج بالمعنى الأول مكابرة فظاهر إنه ليس كذلك كيف وهذا التقرير مما اثبته الحكماء الا انهم لم ينسبوه إلى الخارج بل إلى الذهن وان أردتم التقرر