عبد الرزاق اللاهيجي

5

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

في كثير من الأصول وشاع مذهبهم فيما بين الناس إلى أن خالف الشيخ أبو الحسن الأشعري مع استاده أبى على الجبائي في مسئلة ذكرها شارح العقائد وانا اطوى ذكرها لعدم الحاجة إليها هاهنا وساء ذكرها إن شاء الله تعالى في موضع يليق بها وأحقق ما عندي فيها فترك الأشعري مذهبه واشتغل هو ومن تابعه بابطال رأى المعتزلة واثبات ما ورد به السّنة وجرى عليه الجماعة ثم لما نقلت الفلسفة إلى العربية وخاض فيه الاسلاميّون حاولوا الردّ على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة فخلطوا بالكلام كثيرا من الفلسفة ليتحققوا مقاصدها فيتمكنوا من ابطالها وهلم جرّا إلى أن ادرجوا فيه معظم الطبيعيّات والالهيّات وخاضوا في الرياضيات حتى كاد لا يتميّز عن الفلسفة لولا اشتماله على السمعيات وهذا هو كلام المتأخرين انتهى كلام شارح العقائد وهو صريح في ان مخالفة المعتزلة مع أهل السنة المسمين بالأشاعرة انما هو في ظواهر السنة وقد صرح في كلامه الأول ان المعتبر فيما يتعلق بالاعتقاديات انما هو اليقين دون الظن ولا شك في ان الظاهر لا يفيد الّا الظن فمخالفته لليقين لا تكون بدعة بل صوابا فتسميتهم إياهم أهل البدع والأهواء خطا وغفلة عن الدين بل جمودهم على الظواهر المخالفة للمعلوم في كثير من المسائل الاعتقادية بدعة وهوى لان المعلوم من الدين بحيث لا يشك فيه أحد تأويل كثير من الظواهر لمخالفتها ما في العقود فيكون منعه مخالفا لما هو ثابت في الدين بل هذا أفحش من البدعة لان البدعة هو القول بما لا يكون في الدين لا هو ولا نقيضه وهذا قول بخلاف ما هو ثابت في الدين وظهر أيضا من كلامه ان خلط الكلام بالفلسفة من المعتزلة انما هو لاستمدادهم من الفلسفة في مطالبهم وخلط الأشاعرة انما هو لابطال قواعد الفلسفة وهذا هو صريح في ان عداوة الفلسفة انما شاعت في أهل الاسلام من الأشاعرة لا من المعتزلة فضلا عن الامامية كيف وأكثر الأصول الثابتة عند الإمامية عن أئمتهم المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين مطابق لما هو الثابت من أساطين الفلاسفة ومتقدّميهم ومبنى على قواعد الفلسفة الحقة كما لا يخفى على المحققين وينبغي ان يعلم انّ موافقة الاماميّة مع المعتزلة في أكثر الأصول الكلامية انما هو لاستمداد المعتزلة من الفلسفة لا لان الأصول الامامية مأخوذة من علوم المعتزلة بل أصولهم انما اخذت من أئمتهم وهم صلوات اللّه عليهم يمنعون أصحابهم من الكلام الّا ما يكون مأخوذا منهم عليهم السلم جميع ذلك ظاهر لمن مارس أصول الامامية رضوان اللّه عليهم هذا واعلم أن الظاهر أن كلّا من التعريفين المذكورين يصلح لكل واحد من كلامي القدماء والمتأخرين ولا تفاوت بين الكلامين في ذلك ثم الفرق بين التعريفين هو ان مقتضى تعريف المقاصد علم الكلام انما هو نفس العلم بالعقائد الدينية مثل علمنا بان اللّه تعالى واحد وانه قادر وانه عالم إلى غير ذلك واما ساير ما يذكر في الكتب الكلامية من مسائل الجواهر والاعراض وأمثال ذلك مما يتوقف عليه العلم بنفس العقائد فليس من علم الكلام بخلاف تعريف المواقف فان مقتضاه ان يكون نفس العلم بالعقائد جزء من علم الكلام إذ له مدخل في الاثبات على الغير لامحة فلا يتوهّم كونه خارجا من الكلام ثم أقول الأولى ان يق الكلام صناعة نظرية يقتدر بها على اثبات العقائد الدينيّة المطلب الثاني في موضوعه اعلم أولا ان موضوع كل علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية اى العوارض التي تعرضه لذاته أو لامر يساويه لا ما يعرضه لامر أعم أو أخص فالتعجب والضحك مثلا عرضان ذاتيان للانسان وغريبان عن الحيوان لان عروضهما له انما هو لأجل الانسان الّذي هو اخصّ منه والحس والحركة الاراديّة بالعكس من ذلك