عبد الرزاق اللاهيجي
36
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
الثاني انا نختار ان الوجود موجود ولا نسلم لزوم التسلسل وانما يلزم لو كان وجوده أيضا زائدا عليه وليس كذلك بل وجوده عينه وانما النزاع في غيره والأدلة انما أقيمت عليه وتحقيق ذلك أنه لما كان تحقق كل شيء بالوجود فبالضرورة يكون تحققه بنفسه من غير احتياج إلى وجود آخر يقوم به كما أنه لما كان التقدم والتأخر فيما بين الأشياء بالزمان كان فيما بين اجزائه بنفسه من غير افتقار إلى زمان آخر فان قيل فيكون كل وجود واجبا إذ لا معنى له سوى ما يكون تحققه بنفسه قلنا ممنوع فان معنى وجود الواجب بنفسه انه مقتضى ذاته من غير احتياج إلى فاعل ومعنى تحقق الوجود بنفسه انه إذا حصل للشيء اما من ذاته كما في الواجب أو من غيره كما في الممكن لم يفتقر تحققه إلى وجود آخر يقوم به بخلاف الانسان فإنه انما يتحقق بعد تأثير الفاعل بوجود يقوم به عقلا أو نختار ان الوجود معدوم ولا يلزم منه اتصاف الشيء بنقيضه بمعنى صدقه عليه لان نقيض الوجود هو العدم واللاوجود لا اللاموجود والمعدوم فغاية الامر انه يلزم ان الوجود ليس بذى وجود كما أن السّواد ليس بذى سواد والامر كل ولا يلزم أيضا ان يتحقق في المحل ما لا تحقق له في نفسه لما عرفت من أن قيام الوجود بالماهية ليس بحسب الخارج كقيام البياض بالجسم بل بحسب العقل فلا يلزم الا تحققه في العقل قال وقد يجاب عن الأول بأنه منقوض بالاعراض القائمة بالمحال كسواد الجسم فان قيامه امّا بالجسم الأسود فيدور أو يتسلسل واجتماع للمثلين أو اللاأسود فتناقض وهو ضعيف لانّ قيامه بجسم اسود به لا بسواد قبله ليلزم المحال وطريانه على محل تصير حال طريانه اسود من غير تناقض ولا كل حال الوجود مع الماهية لان الخصم يدّعى انّ تقدّم المعروض على العارض بالوجود ضروري فلا يصح قيام الوجود بمحل موجود بهذا الوجود فلا محيص سوى المنع والاستناد بان ذلك انما هو في العروض الخارجي كسواد الجسم وهذا ليس كل وعن الثاني بان الوجود ليس بموجود ولا معدوم وهو أيضا ضعيف لما سيأتي من نفى الواسطة انتهى أقول وسيأتي عند قول المصنف والوجود لا يرد عليه القسمة ما يتعلق بذلك هذا وإذا تحققت جميع ما ذكرنا فقوله وقيامه بالماهية من حيث هي إشارة إلى الجواب عن استدلال الخصم من جانب الماهية بان الوجود لو كان زائدا على الماهية فامّا ان يقوم بالماهية الموجودة فيلزم كون الماهية موجودة قبل وجودها أو بالماهية المعدومة فيلزم اجتماع النقيضين والجواب بمنع الحصر اى لا نسلم ان قيام الوجود اما بالماهية الموجودة أو بالماهية المعدومة بل قيامه انما هو بالماهية من حيث هي لا من حيث هي موجودة ولا من حيث هي معدومة وقد يقرر دليل الخصم بان قيامه بها امّا في زمان وجودها فتحصيل الحاصل أو في زمان عدمها فاجتماع النقيضين فحينئذ لا يمكن منع الحصر والا يلزم الواسطة بل نختار ان القيام في زمان وجودها بهذا الوجود لا بوجود آخر ليلزم تحصيل الحاصل وقوله فزيادته في التصور إشارة إلى الجواب عن استدلاله من جانب الوجود على سبيل التفريع على الجواب عن الاستدلال الأول اى لما كان الوجود انما يقوم بالماهية من حيث هي لا من حيث هي موجودة ولا من حيث هي معدومة وهذه الحيثية اعني العراء عن الوجود والعدم انما تثبت للماهية في العقل لا في الخارج ضرورة كونها في الخارج غير منفكة عن أحدهما أصلا فزيادة الوجود على الماهية وعروضه لها انما يكون في التصور لا في الخارج ليلزم من كون الوجود في الخارج وزيادة وجوده عليه التسلسل المحال بل الوجود ليس الا في الذهن وكونه في الذهن وجود له زائد عليه لكن في الذهن أيضا وهكذا كلما اعتبره العقل ولا يلزم التسلسل المحال لانقطاعه بانقطاع الاعتبار ولم يلتفت المصنف إلى الجواب الّذي ذكره