عبد الرزاق اللاهيجي

245

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

ان الجزاف لا يسمى عبثا لكن الامام سمّاه في هذا الكتاب أيضا عبثا انتهى كلام الشريف وهو موضع تعجّب ومنها ما أورد على اثبات الغايات للطبيعيات امّا بيان اثباتها لها فهو انا نشاهد في الأمور الطبيعة من قواها وطبائعها تحريكات وتأثيرات متأدية إلى أمور مترتبة عليها ترتب الغاية على ذي الغاية بحيث يحكم العقل حكما جزما بان تلك التحريكات انما كانت لأجل الأمور المتادية هي إليها ولا نعنى بالغاية الا ما لأجله تحرك الشيء كما مر وذلك اعني فأدّى تلك التحريكات إلى تلك الأمور تادّى ذي الغاية إلى الغاية ظاهر جدّا لمن تأمل فيها حق التأمّل الا ترى انه لا ينبت من حبّة البرّ الّا البرّ ومن حبة الشعير الّا الشعير ولا يلد من نطفة الانسان غير الانسان ومن نطفة الحمار غير الحمار إلى غير ذلك على سبيل اللزوم والدوام بحيث لا يتخلف الّا لمانع وليس ذلك الا لقوة مودعة في حبة البر مثلا متوجها تحريكاتها نحو حصول البر فيترتب عليها ذلك حيث لا عائق عنها هذا هو بيان اثبات الغاية للطبيعة على سبيل الاجمال وسيظهر لك في تضاعيف ما يورد في دفع الشكوك بيانه على وجه التفصيل واما تقرير الشك المورد عليه فهو انه لا يمكن ان يكون لتحريكات الطبيعة غاية لوجوه الأول ان الغاية يجب أن تكون بوجودها الذهني علة لفاعلية الفاعل كما مر والطبيعة لا شعور لها ليكون للغاية وجود ذهني عندها ولا رويّة لها ليمكنها ارتياد غاية دون غاية واختيارها والجواب عنه ان صور الغايات في الحركات الطبيعية ووجوداتها الذهنية انما هي عند مبدأ اجل وأعلى من الطبيعة لا عند الطبيعة وان كانت هي مباشرة للتحريك لكونها مسخرة لمبدإ آخر هو فوقها وصورة الغاية انما يحسب كونها عند الفاعل المباشر إذا لم يكن مسخّرا لغيره واما إذا كان المبدأ في الحقيقة هو غيره على سبيل تسخيره إياه فيكفي كون الصّورة عند المسخر إياه فإنه قد جعله بحيث يؤدّى تحريكه إلى غاية على أن كون صورة الغاية عند الفاعل لا يجب ان يكون على سبيل الشعور النفساني بل يكفى ان يكون على سبيل الاقتضاء الجبلي وقد ذهبوا إلى أن للطبيعة شوقا جبليّا طبيعيّا تسخريّا إلى كمالاتها وغاياتها وهو الّذي يقتضي حركتها إليها وان لم يكن لها شعور نفساني بها صرّح بذلك الشيخ في طبيعيات الشفا وإلى هذا أشار في إلهيات الشفا بقوله ويشبه أن تكون الأمور الطبيعية صورها عند العلل المتقدمة للطبيعة بنوع وعند الطبيعة على سبيل التسخير بنوع انتهى واما الروية فقال الشيخ في طبيعيات الشفا في جواب ذلك ان الروية ليست لتجعل الفعل ذا غاية بل لتعين الفعل الّذي نختار من بين ساير الافعال جائز اختيارها لكل واحد غاية تخصّه فالروية لأجل تخصيص الفعل لا لجعله ذا غاية ولو كانت النفس مسلمة عن النوازع المختلفة والمعارضات المتفنّنة لكان يصدر عنها فعل متشابه على نهج واحد من غير روية وان شئت ان تستظهر في هذا الباب فتأمّل حال الصناعة فان الصناعة لا يشك في انها لغاية وإذا صارت ملكة لم نحتج في استعمالها إلى الروية وصارت بحيث إذا حضرت الرؤية تعذّرت وتبلّد الماهر فيها عن النفاذ فيما يزاوله كمن يكتب أو يضرب بالعود فإنه إذا اخذ يروى في اختيار حرف حرف أو نغمة نغمة وأراد ان يقف على عددها تبلّد وتعطّل وانّما