عبد الرزاق اللاهيجي

233

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

الموجود الآخر غير ذي وضع مثله كما يتوقف تأثير ذي الوضع في غيره على كون ذلك الغير ذا وضع مثله فلا يرد انه كما أن المادّى يتأثر عن المجرد بلا وضع بينهما لم لا يجوز ان يكون مؤثرا في المجرد بلا وضع بينهما واىّ فرق في ذلك بين التأثير والتأثر وذلك لان الفرق انما هو القوة والضعف في الوجود والتأثير كما عرفت وامّا تأثر النفس الناطقة عما ترتسم في قواها المتخيّلة والمتوهّمة فإنما هو لكونها متعلقة با لاجسام ومحتاجة إليها نوعا من الاحتياج اعني الاحتياج في الفعل والتأثير فلا استحالة أيضا في تأثّرها عنها بوجه ما قال الامام في المباحث المشرقية كل قوة يقتضي امرا وفعلا فلا يخلوا اما ان يكون تأثيرها مختصّا بمحلّ معيّن حتى يكون تأثيرها في غير ذلك المحل مترتبا على تأثيرها في ذلك المحل حتى يكون كل ما كان أقرب من ذلك المحل كان أولى بقبول ذلك الأثر واما ان لا يكون كذلك فلا يكون تأثيرها في جسم مترتبا على تأثيرها في جسم آخر مثال الأول القوة النارية فإنها لما كانت حالة في جسم معين كان حصول السخونة من تلك القوة أولا في ذلك المحل وبواسطته في ساير المحال ويكون كل ما كان قربه إلى ذلك المحل أكثر كان وصول السخونة إليه اقدم فالقوة متى كانت كذلك عرفنا ان لها تعلقا بذلك الجسم المعيّن أم لاحتياجها في ذاتها إلى ذلك الجسم مثل القوة النارية وامّا لاحتياجها في فاعليتها إلى ذلك الجسم مثل النفوس وعند ذلك نقول لتلك القوة انها تفعل بمشاركة المادة وبمشاركة الوضع ونعنى بذلك ان الجسم ما لم يكن له قرب ما استحال ان يصدر الأثر عنها فيه واما القوة التي لا يتوقف تأثيرها في فعلها الا على كون ذلك الفعل ممكن الحدوث وفي ذاته وتكون افاضته غير مختصة بشيء من الأجسام فيجب ان لا تكون لتلك القوة تعلق بشيء ما من الأجسام لا في ذاتها ولا في فاعليتها بل كانت غنية عن الأجسام من كل الوجوه غير جسمانية بل مجرّدة مفارقة وعند هذا التحقيق يظهر ان القوة الجسمانية يمتنع ان يكون تأثيرها في وجود المجرّدات لان القرب والبعد مع ما لا حيز له ولامكان له محال إذا ثبت ذلك ثبت ان القوة الجسمانية لا تأثير لها في وجود الهيولى والصورة المقومة فلا يكون لها تأثير في وجود شيء من الأجسام وعند هذا يبطل شك من يقول كما أن الجسماني لا نسبة له إلى المجردات بالقرب والبعد كذلك المجرد لا نسبة له إلى الجسماني بالقرب والبعد فوجب ان لا ينسبوا وجود الأجسام إلى المجرّدات فانا نقول إن مؤثرية المجرد يكفى في تحققها كون الأثر في ذاته ممكنا فمتى تحقق ذلك الامكان فاض الأثر عنه فاما مؤثرية القوى الجسمانية فلا يكفى فيها كون الأثر ممكنا فقط بل إن يكون محل الأثر له قرب من محل القوة الجسمانية وذلك على المجرد محال انتهى كلامه وهو لا غبار عليه واعلم أنه انما قال المصنف ويشترط في صدق التأثير على الفاعل المقارن الوصع مع أنه يكفى ان يقول ويشترط في تأثير المقارن الوضع لان غرضه ليس مقصورا على بيان اشتراط تأثير المقارن بالوضع فقط بل إن يجعل ذلك قانونا يعرف به تأثير المقارن عن تأثير المجرد فإنه كثيرا ما يشتبه حيث يمكن استناد الآثار إلى المجرّد والمقارن بحسب الظاهر كما في الآثار الصّادرة عن الانسان لاشتماله على المبدأ المقارنة وكما في الآثار الصادرة عن الطبائع وغيرها من الممكنات حيث