عبد الرزاق اللاهيجي

136

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

منه والجواب ان الترجح مع الوجود لا قبله ولو سلم فقيام ترجح وجود الممكن أو عدمه بالمؤثر ضروري البطلان على أن كون الترجح وجوديا بمعنى كونه امرا محققا مفتقرا إلى ما يقوم به في الخارج ممنوع بل هو امر عقلي قائم بالمتصور من الممكن عند الحكم بحدوثه هذا واعلم أنه قد انكر جماعة من القدماء كذيمقراطيس وشيعته على ما حكاه الشيخ في الشفا حاجة الممكن إلى المؤثر وجعلوا كون العالم بالبخت والاتفاق وأنكروا ان يكون له صانع أصلا ورأوا انّ مبادى الكل ممكن اجرام صغار لا يتجزى لصغرها وصلابتها وانها غير متناهية بالعدد ومثبوتة في خلاء غير متناه وان جوهرها في طبائعها جوهر متشاكل وباشكالها تختلف وانها دائمة الحركة في الخلاء فيتفق ان يتصادم منها جملة فيجتمع على هيئة ويكوّن منه عالم وان في الوجود عوالم مثل هذا العالم غير متناهية بالعدد لكن مع ذلك يرون ان الأمور الجزئية مثل الحيوانات والنباتات كائنة لا بحسب الاتفاق وفرقة أخرى منهم كانباذقلس ومن جرى مجراه لم يقدموا على أن يجعلوا العالم بكلية كائنا بالاتفاق ولكنهم جعلوا الكائنات متكونة عن الاسطقسات بالاتفاق وبالجملة فهؤلاء بأجمعهم يجوّزون الحدوث بلا سبب والكون بلا علة ويتمسّكون في ذلك بأمثلة جزئية مثل ان من يحفر بئر الماء أو بناء فيعثر فيها على كنز لم يكن عالما بكونه فيها ولم يكن حافرا لأجله فعثوره على الكنز امر قد اتفق من غير أن يكون بسبب اقتضاه وكذا من يزلق عن شفير بئر فيقع فيها فوقوعه في البئر امر اتفاقي كائن بلا سبب وذلك لان الأسباب امّا إرادية أو طبيعيّة فان القسريّة أيضا ترجع إليهما وليس هناك فعل طبيعي يمكن ان يتأدى إلى العثور إلى الكنز مثلا والفعل الارادى الّذي هناك اعني الحفر لم يكن لأجله ليمكن ان يكون سببا له ويكون هو غاية مرتبة عليه والغاية الإرادية يجب ان يكون ما لأجله الفعل ويكون الفاعل قد قصده وكان تصوّره قد حرّك الفاعل وحمله على الفعل فهو كائن بلا سبب أصلا والشيخ قد دفع متمسّكهم ببيان ان الأسباب قد يكون بالذات وقد يكون بالعرض والعلة الغائية الذاتية هي التي يجب ان يكون لأجلها الفعل ويكون الفاعل قد تصوّرها وتصوّرها قد حملها على الفعل واما العلة الغائية التي هي العرضيّة فلا يجب ذلك فيها بل يجب ان يكون هناك غاية ذاتية أيضا ليكون الفعل قد تادّى إليها بالذات وإلى العرضية بالمعرض وكل ما يقال من الأمثلة الجزئية فهو كذلك لا محالة فان قيل ما ذهب إليه كثير من المتكلمين من أن اللّه تعالى خلق العالم في وقت دون ساير الأوقات وكذا ما ذهب إليه جمهور من الأشاعرة من أن ساير افعاله تعالى غير معللة بشيء مما يترجح به وجودها عن عدمها قول بترجح أحد طرفي الممكن من غير مرجح وهو بعينه قول بالحدوث بلا سبب والكون بلا علة أجيب بانا نسلم انه من ترجح الممكن بلا مرجح بل من ترجيح المختار واحد المتساويين من غير مرجح وامتناعه غير مسلم فضلا عن أن يكون ضروريّا فليتدبر ثم إن الامام الرازي ذكر لهم شبها يمكن ان يتمسكوا بها منها انه لو احتاج الممكن إلى المؤثر لوجب اتّصاف المؤثر بالمؤثرية وهو محال لكونها صفة محتاجة إلى موصوفها فهي من الممكنات فيحتاج إلى مؤثرية وأخرى هي أيضا كذلك وهكذا ويلزم التسلسل وأشار المصنف إلى الجواب عنه بقوله والمؤثرية اعتبار عقلي وليست بموجودة في الخارج ليحتاج إلى مؤثرية أخرى ولا يقدح ذلك في اتصاف المؤثر بها لما عرفت من أن انتفاء مبدأ المحمول لا يستلزم انتفاء لحمل ومنها ان تأثير المؤثر امّا حال وجود الأثر اى بشرطه وهو تحصيل الحاصل أو حال عدمه اى بشرطه وهو اجتماع النقيضين وأشار إلى