عبد الرزاق اللاهيجي

104

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

على مرتبة الوجود تقدما بالطبع بل بالماهية أيضا وذلك بناء على المشهور من جعل الماهية والتعبير بالفعلية والتقرر انما هو لضيق العبارة فلا يرد ان المراد من الوجود ليس سوى تقرر الماهية وفعليتها فلا تغفل وليعلم ان لاجزاء الماهية على هذا يكون نوعان من التقدم بالطبع وبالماهية فلا ينافي عدّهم تقدم الواحد على الاثنين من أمثلة التقدم بالطبع ثم إن التقدم بالماهية أيضا داخل في التقدم بالذات بالمعنى الأعم وهو الّذي يكون لعلاقة ذاتية فيكون على ثلاثة أقسام التقدم بالعلية والتقدم بالطبع والتقدم بالماهية وملاك التقدم في هذه الثلاثة هو الوجود وعارضه الّذي هو الوجوب ومعروضه الّذي هو نفس الماهية ولما كانت هذه مفهومات متغايرة ومراتب مرتّبة بحسب الاعتبار في نفس الامر فإذا جعل كل واحد منها ما فيه التقدم حصلت أنواع ثلاثة من التقدم لا محالة ثم ما قاله المصنف في نقد التنزيل من أن الجنس مقدم على نوعه لا لكونه جزءا له ليكون تقدمه عليه تقدما بالطبع إذ هو من حيث إنه جزء لا يحمل على كله فلا يكون جنسا والجنس يجب ان يحمل على نوعه ولا لكونه علة تامة له وهو ظاهر ولا لكون كل منهما في زمان ولا في مرتبة عقلية أو حسية إذ جنس الشيء لا يجب ان يكون فوقه جنس ولا لكونه اشرف من نوعه فهو لكونه عاما ممكنا ان يوجد ويعقل وان لم يوجد ولم يعقل النوع المعين فتقدم العام على الخاص نوع آخر من التقدم سوى الخمسة المشهورة فالظاهر أن مراده هو التقدم بالماهية وهو وان كان حاصلا للجزء أيضا الا انه أراد اثباته حيث لا يمكن تحقق نوع آخر من التقدم فتدبر وما يقال إن التقدم بالماهية اسم للتقدم بالطبع إذا اطلق في جزء الماهية لان المتقدم هاهنا متقدم محتاج إليه باعتبار الذات والحقيقة دون مجرد الوجود فان ذات الاثنين لا تتم ولا يعقل بدون الواحد ليس بشيء لان هذا التعليل صريح في ان الملاك هاهنا هو تقوم الذات وتقررها دون وجودها فكيف يكون هذا القسم داخلا في المتقدم بالطبع الّذي ليس الملاك فيه سوى الوجود فان قلت قد ظن بعض الأعاظم ان هاهنا قسما سابعا سمّاه التقدم الدهري والسرمدي وهو التقدم بحسب وجوب الوجود في متن الواقع بخلاف التقدم بالعلية فإنه التقدم بحسب وجوب الوجود في المرتبة العقلية فالمتقدم بحسب تقدم الدهري له الوجوب في متن الواقع وليس هذا الوجوب للمتأخر بحسبه وليس بحاصل للمتأخر بحسبه الا وهو حاصل للمتقدم كما أن المتقدم بالعلية له الوجوب بحسب المرتبة العقلية وليس هذا الوجوب للمتأخر وليس بحاصل للمتأخر الا وهو حاصل للمتقدم فما ظنك فيه قلت يمكن فيه ان يقال إن ليس ذلك سوى التقدم بالعلية فان معنى كون التقدم بالعلية بحسب وجوب الوجود في المرتبة العقلية ليس ان المتقدم والمتأخر أو وجوبهما ليس الا في العقل بل معناه كون الحكم بهذا التقدم انما هو للعقل فقط بخلاف ساير التقدمات سواء كان المتقدم والمتأخر بما هما متقدم ومتأخر من شأنهما الوجود في العقل كما في العلة والمعلول الممكنين المدركين بالكنه من جهتي العلية والمعلولية كحركتى اليد والمفتاح أو لا كما في الواجب بالقياس إلى العقل الأول مثلا فان العقل الأول وان جاز كونه مدركا بالكنه ومن جهة كونه معلولا لكن الواجب ليس بمدرك بالكنه ومن جهة كونه علة فالحاكم بالتقدم في المثالين انما هو العقل بحسب الخارج لا بحسب الذهن بمعنى ان العقل يحكم بان حركة اليد متقدمة بحسب الخارج على حركة المفتاح لا بحسب الذهن وكذا في الواجب بالقياس إلى العقل الأول فما تمسّك به في نفى التقدم العلى للواجب ليثبت له التقدم الدهري من أن الواجب ليس له مرتبة