ابن قيم الجوزية

697

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

بالوجه الخامس : وهو أنّ هذا الأمر لا يختصّ بالمترفين ، بل هو سبحانه يأمر بطاعته واتّباع رسله المترفين وغيرهم ، فلا يصحّ تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين . يوضحه : الوجه السادس : أن الأمر لو كان بالطاعة ، لكان هو نفس إرسال رسله إليهم ، ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال : أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ، ففسقوا فيها . فإن الإرسال لو كان إلى المترفين ، لقال من عداهم : نحن لم يرسل إلينا . السابع : أن إرادة اللّه سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم ، وإلا فقبل ذلك هو لا يريد إهلاكهم ، لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم ، قال تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) [ هود ] فإذا أرسل الرسل ، فكذبوهم ، أراد إهلاكها ، فأمر رؤساءها ومترفيها أمرا كونيا قدريا ، لا شرعيا دينيا ، بالفسق في القرية ، فاجتمع أهلها على تكذيبهم وفسق رؤسائهم ، فحينئذ جاءها أمر اللّه ، وحقّ عليها قوله بالإهلاك . والمقصود ذكر الأمر الكوني والديني . ومن الديني قوله : * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ( 90 ) [ النحل ] وقوله : * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ( 58 ) [ النساء ] وهو كثير . فصل وأما الإذن الكوني فكقوله تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ( 102 ) [ البقرة ] أي : بمشيئته وقدره ، وأما الديني ، فكقوله : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ ( 5 ) [ الحشر ] أي : بأمره ورضاه