ابن قيم الجوزية

509

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وأنتقم من أعدائه بعزته ، ونجّى رسله وأتباعهم برحمته ، والحكمة الحاصلة من ذلك أمر مطلوب مقصود ، وهي غاية الفعل ، لا أنها أمر اتفاقي . فصل النوع الخامس عشر : إخباره بأن حكمه أحسن الأحكام ، وتقديره أحسن التقادير ، ولولا مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك ، إذ لو كان حسنه لكونه مقدورا معلوما كما يقوله النفاة ، لكان هو وضده سواء ، فإنه بكلّ شيء عليم ، وعلى كلّ شيء قدير ، فكان كل معلوم مقدور أحسن الأحكام وأحسن التقادير ، وهذا ممتنع قال تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 ) [ المائدة ] وقال : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ( 125 ) [ النساء ] فجعل هذا أن يختار لهم دينا سواه ، ويرتضي دينا غيره ، كما يمتنع عليه العيب والظلم ، وقال تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 ) [ فصلت ] وقال : فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) [ المرسلات ] وقال : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) [ المؤمنون ] فلا أحسن من تقديره وخلقه لوقوعه على الوجه الذي اقتضته حكمته . وقال تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ( 3 ) [ الملك ] ولولا مجيئه على أكمل الوجوه وأحسنها ومطابقتها للغايات المحمودة والحكم المطلوبة ، لكان كله متفاوتا ، أو كان عدم تفاوته أمرا اتفاقيا ، لا يحمد فاعله ، لأنه لم يرده ولم يقصده ، وإنما اتفق أن صار كذلك .