ابن قيم الجوزية
510
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
فصل النوع السادس عشر : إخباره سبحانه أنه على صراط مستقيم ، في موضعين من كتابه . أحدهما : قوله حاكيا عن نبيه هود : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) [ هود ] . والثاني : قوله : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 ) [ النحل ] . قال أبو إسحاق : أخبر أنه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء ، فهو لا يشاء إلا العدل . قال ابن الأنباري : لما قال : إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ( 56 ) [ هود ] ، كان في معنى : لا تخرج عن قبضته ، قاهر بعظيم سلطانه كلّ دابة ، فأتبع ذلك قوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) [ هود ] أي : إنه على الحق ، قال : وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا رجلا حسن السيرة والعدل والإنصاف ، قالوا : فلان طريقه حسنة . وليس ثمّ طريق . وذكر في معنى الآية أقوال أخر هي من لوازم هذا المعنى وآثاره ، كقول بعضهم : إنّ ربي يدلّ على صراط مستقيم ، فدلالته على الصراط من موجبات كونه في نفسه على صراط مستقيم ، فإن تلك الدلالة والتعريف من تمام رحمته وإحسانه وعدله وحكمته . وقال بعضهم : معناه : لا يخفى عليه شيء ، ولا يعدل عنه هارب .