ابن قيم الجوزية
505
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
فصل النوع الثاني عشر : إنكاره سبحانه أن يسوّي بين المختلفين ، أو يفرّق بين المتماثلين ، وإن حكمته وعدله يأبى ذلك . أما الأول : فكقوله : أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 36 ) [ القلم ] فأخبر أن هذا حكم باطل جائر ، يستحيل نسبته إليه ، كما يستحيل نسبة الفقر والحاجة والظلم إليه ، ومنكر والحكمة والتعليل يجوّزون نسبة ذلك إليه ، بل يقولون بوقوعه وقال تعالى : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) [ ص ] وقال : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 21 ) [ الجاثية ] . فجعل سبحانه ذلك حكما سيئا ، يتعالى ويتقدس عن أن يجوز عليه ، فضلا عن أن ينسب إليه ، بل أبلغ من هذا أنه أنكر على من حسب أن يدخل الجنة بغير امتحان له وتكليف يبين به صبره وشكره ، وإن حكمته تأبى ذلك كما قال تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) [ آل عمران ] وقال : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ( 214 ) [ البقرة ] وقال : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ( 16 ) [ التوبة ] فأنكر عليهم هذا الظن والحسبان لمخالفته لحكمته . وأما الثاني : وهو أن لا يفرق بين المتماثلين فكقوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ